الرئيسية » عناق تجاري أم خنق جمركي؟ الأردن يفتح أبوابه للمنتجات السورية بـ “أقفال” التعرفة!

عناق تجاري أم خنق جمركي؟ الأردن يفتح أبوابه للمنتجات السورية بـ “أقفال” التعرفة!

بواسطة Younes

التقطت الأوساط التجارية السورية أنفاسها مع إعلان وزارة الصناعة والتجارة الأردنية القرار رقم (34) لعام 2026، القاضي برفع الحظر عن استيراد سلع سورية قُيدت لسنوات.

على الورق، بدا المشهد وكأنه عودة للدفء في شرايين التجارة بين البلدين، لكن على أرض الواقع، وجد المصدرون السوريون أنفسهم أمام جدار شاهق من “رسوم الحماية الجمركية” التي تستهدف تحديداً شريان قوتهم التنافسية، ممثلة بالصناعات الغذائية والمنسوجات.

وبينما كانت الأصوات الصناعية في الداخل السوري تغلي واصفة القرار بأنه “رفع شكلي للحظر” ومطالبة بالرد بالمثل عبر فرض رسوم تصل إلى 100% على الإسمنت الأردني، خرجت غرفة تجارة دمشق ببيان “دبلوماسي” تصف فيه القرار بأنه “خطوة إيجابية”، رغم اعترافها بأن الرسوم “عالية جداً”.

في المقابل، رأى طيف واسع من الصناعيين والمصدرين أن الخطوة الأردنية ليست سوى “انفتاح شكلي” مبطن برسوم جمركية تعجيزية، تستهدف تقويض الميزة التنافسية للمنتج السوري، ولا سيما في قطاعي الألبسة والصناعات الغذائية.

المخدرات والسلاح على طاولة التجارة!

يفكك الخبير الاقتصادي يونس الكريم، في حديثه لـ “هاشتاغ”، المقاربة الأردنية للملف، مشيراً إلى أنها لا تنفصل عن “الفوبيا الأمنية” التي تسيطر على صانع القرار في عمّان.

ويقول الكريم: “عودة تجارة المخدرات تثير مخاوف الأردن، خاصة مع تصدر شخصيات محسوبة على هذه التجارة للمشهد مثل اتحاد المصدرين والمستوردين العرب في مجلس إدارة مكتبه الإقليمي في سوريا، يضاف إلى ذلك مخاوف من انتقال عدوى الفوضى عبر الحدود بعد التسويات هيئة الكسب الغير مشروع”

ويضيف الكريم أن القلق الأردني يمتد ليشمل محاولات تهريب الأسلحة في ظل التوترات الإقليمية ورغبة بعض الفصائل بفتح جبهات جديدة.

ويفسر القرار الأردني بأنه: “محاولة لتقليص الضغط دون إثارة ذعر شعبي داخلي حول هذه المخاوف كما عدم الانخراط بالشأن الداخلي السوري عبر إيصال رسالة واضحة بإمكانية الاستغناء عن معابر إضافية كمعبر السويداء، والاكتفاء بتواصل تجاري في حده الأدنى ومراقب بشدة”.

الارتجال السوري وفخ “الرسوم التعجيزية”

على الجانب الاقتصادي، يرى الكريم أن الأردن يقرأ الفوضى والقرارات الارتجالية في إدارة الملف الاقتصادي بدمشق كعامل تهديد إضافي.

ويشير الكريم إلى أن التصريحات المتفائلة والمتسرعة لبعض المسؤولين السوريين، والتي ركزت على قوة السوق المحلية وانفتاحها، أسهمت في دفع الأردن إلى تبنّي سياسات اعتبرت السوق السورية فرصة واعدة لتصريف منتجاته.

غير أن هذه التوقعات اصطدمت لاحقاً بجملة من الإجراءات التي اتخذها الجانب السوري، وأبرزها تقييد دخول الشاحنات الأجنبية إلى الأراضي السورية إلا في حالات الترانزيت، عبر ما يعرف بنظام “المناقلة” (Back-to-Back) مما رفع تكلفة الشاحنة بين 500 و800 دولار، إضافة إلى غياب الضمانات الأمنية الكافية لعملها داخل البلاد.

في المقابل، ردّ الأردن بإجراءات حمائية، تمثلت في فرض رسوم مرتفعة وصلت إلى نحو 65% على بعض السلع ذات المنشأ السوري، تحت مسمى “رسوم الحماية” وبذريعة تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، إلى جانب حماية الصناعة المحلية الأردنية التي شهدت نمواً ملحوظاً خلال سنوات الحرب في سوريا واستفادت من تراجع المنافسة السورية في تلك الفترة.

ويعتبر الكريم أن رسالة عمّان هنا واضحة ومفادها: “أن عمّان تتعامل مع الخطاب السوري بميزان الأفعال لا التصريحات، فإذا كانت دمشق تطرح نفسها كسوق منفتحة، لكنها في الواقع تفرض قيوداً وإجراءات حمائية، فإن الأردن سيقابل ذلك بسياسات مماثلة، تحكمها قواعد السوق الصارمة ومبدأ المعاملة بالمثل، كما تُطبَّق فعليًا لا كما تُعلَن نظرياً”.

وفي هذا السياق، يحلل الكريم التحركات الأردنية الأخيرة بأنها “استخدام لأوراق الضغط لإجبار الجانب السوري على العودة لطاولة التفاوض”.

ويشدد على أن الهدف الاستراتيجي للأردن يتجاوز إدخال البضائع إلى سوريا، ليوضح: “عمّان تبحث عن تأمين خط ترانزيت آمن ومحمي من السرقات والتعديات وصولاً إلى السوق التركية، والتي تُعد الهدف التجاري الأكبر لها من وراء هذا الانفتاح”.

أوراق الضغط السورية.. وهم البدائل وغياب الرؤية

في رده على سؤال حول أوراق القوة التي تمتلكها دمشق للرد على هذه القيود، يبدو تحليل الكريم حاسماً، إذ يؤكد أن سوريا “لا تمتلك حالياً أوراق ضغط اقتصادية حقيقية”.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن التلويح ببدائل، مثل فتح مسارات لاستيراد النفط عبر العراق، لا يخدم تهدئة التوتر بقدر ما يسهم في استفزاز عمّان ومفاقمة القيود المفروضة، لافتاً إلى أن مثل هذه الخيارات كان يمكن طرحها ضمن إطار تنسيقي مع الأردن، خاصة في ظل الدور التاريخي الذي لعبته المملكة كمعبر رئيسي للتجارة مع العراق لفترات طويلة.

ويضيف أن البدائل الأخرى لا تبدو أكثر استقرارًا؛ فالسوق التركية تواجه تحديات داخلية مرتبطة بمعدلات التضخم المرتفعة، إلى جانب حالة عدم اليقين الناتجة عن قرارات البنكا لمركزي السوري في مناطق شمال غرب الفرات، ولا سيما ما يُتداول حول منع التعامل بالليرة التركية دون تنسيق واضح مع أنقرة.

أما مسارات الترانزيت نحو دول الخليج، فلا تزال محاطة بتعقيدات لوجستية وأمنية، ما يجعلها خيارات محدودة الجدوى في المدى القريب، على حد تعبيره.

ويحذر الخبير الاقتصادي الكريم من أن استمرار هذه المعركة الجمركية سيترتب عليه آثار سلبية مباشرة على الاقتصاد السوري، حيث من المتوقع أن يؤدي توقف العديد من الصناعات عن العمل، ما يفاقم معدلات البطالة والى عودة التضخم الى الارتفاع نتيجة شح القطع الأجنبي الناجم عن تعثر الصادرات.

خطة طوارئ أم استمرار في النزيف؟

يخلص الكريم في تحليله إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في “عقلية إدارة الأزمات” التي تنتهجها دمشق، معتبراً أن الإدارة الحالية “تبنى على قناعات ذاتية وليس على لغة الأرقام”.

ورداً على دعوات “المعاملة بالمثل” التي قد تحرم المستهلك السوري من مواد أساسية للإعمار، يقدم الكريم حلاً عملياً يتمثل في “تشكيل غرفة طوارئ اقتصادية فورية تضم وزراء المالية والاقتصاد وحاكم البنك المركزي”.

ويحدد مهمة هذه الغرفة بـ “صياغة خطة استيراد وتصدير استراتيجية لمدة عام كامل، تحدد الاحتياجات بدقة، وتقيم البدائل المتاحة، وتدرس كيفية إحلال السلع المحلية، بعيداً عن الارتجال والانفعال.

خلل تجاري!

تأتي هذه التطورات في ظل خلل صارخ في الميزان التجاري بين البلدين، حيث تُظهر بيانات دائرة الإحصاءات العامة الأردنية قفزة في الصادرات الأردنية إلى سوريا لتصل إلى 217.5 مليون دولار، مقابل 90 مليون دولار فقط للمستوردات من سوريا.

هذا الخلل دفع بعض الأصوات التجارية السورية للمطالبة بالمعاملة بالمثل، واقتراح فرض رسوم تصل إلى 100% على المستوردات الأردنية ذات القيمة العالية، وعلى رأسها الإسمنت ومواد البناء.

المصدر :هاشتاغ.

مقالات ذات صلة