خاص اقتصادي
وسط أجواء الفرح والاحتفال باعتقال أمجد يوسف، تمضي أمّ محمد، وهي من سكان الزاهرة الجديدة قرب حيّ التضامن، نحو الحفرة التي تعتقد أن ابنها قد لقي حتفه فيها، بعد أن اختطفته ميليشيا الدفاع الوطني بغرض السخرة. وكانت هذه آخر معلومة تلقتها من الأهالي منذ لحظة اختفائه عام 2015.
تشير البيانات التي جرى تتبعها والتحقق منها إلى أن مجزرة التضامن، التي نفذها أمجد يوسف، وقعت بين عامي 2013 و2014، ونُفذت بإشراف فرع 227 التابع لشعبة الأمن العسكري، وبمشاركة جهات أمنية متعددة في قتل المدنيين. أما في السنوات اللاحقة، فقد واصلت ميليشيا الدفاع الوطني، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، عمليات القتل والتصفية بحق مدنيين آخرين، ليس بالضرورة في موقع الحفرة المعروفة.
مسؤولوا مجازر التضامن
على خلاف النمط المعتاد، تركز نفوذ الأجهزة الأمنية والميليشيات في نطاق جغرافي واحد شمل حيّ التضامن والمناطق المتصلة بمخيمي اليرموك وفلسطين. ويمكن تحديد أبرز الجهات المسيطرة على هذا النحو:
- فرع 227 التابع لشعبة الأمن العسكري، وهو الجهة المسؤولة أمنياً عن حيّ التضامن، بمساندة ميليشيا الدفاع الوطني.
- فرع 225 (المعروف بفرع فلسطين)، وهو المسؤول أمنياً عن مخيمي فلسطين واليرموك، وتدعمه القيادة العامة (ميليشيات أحمد جبريل).
وتكشف الخارطة الأمنية لتوزع هذه الأفرع عن مسؤوليتها المباشرة، أمنياً وعسكرياً، عن المجازر التي شهدتها المنطقة منذ عام 2012، وهو العام الذي بدأت فيه الأجهزة الأمنية تمارس أدواراً عسكرية مباشرة في المناطق المدنية.
فادي صقر: صعود النفوذ
بالتزامن مع تنفيذ مجزرة التضامن، كانت ميليشيا الدفاع الوطني في طور التأسيس، وقد أنشأها صقر رستم بتوجيه من خاله اللواء بسام حسن، المستشار الأمني لبشار الأسد. وفي تلك المرحلة، كُلّف فادي صقر بالإشراف على اللجان المحلية في شارع نسرين داخل حيّ التضامن.
باشرت الميليشيا عملياتها بدعم من فرع 227، مركّزة على محاور استراتيجية مثل شارع دعبول ومحيط مخيمي فلسطين واليرموك. وخلال فترة وجيزة، تمكن فادي صقر من تعزيز موقعه عبر سدّ الفراغات الأمنية التي نشأت نتيجة تحركات فصائل المعارضة ضمن نطاق الفرع، ما أكسبه ثقة أكبر لدى القيادات الأمنية، ولا سيما اللواء بسام حسن، الذي دعم تسليح مجموعاته بالتنسيق مع الحرس الجمهوري.
ومع وقوع مجزرة التضامن، برز فادي صقر كشريك رئيسي في إدارة المنطقة بحكم تداخل نطاق نفوذه مع فرع 227، خاصة أن أحد منفذي المجزرة، نجيب الحلبي، كان من عناصر الدفاع الوطني. ومع تنامي قوته البشرية والعسكرية، توسّع نفوذ صقر تدريجياً، ما أدى إلى تراجع الدور التقليدي للأجهزة الأمنية، ليصبح صاحب القرار الفعلي في حيّ التضامن.
ميليشيا الدفاع الوطني ، أنشأها صقر رستم بتوجيه من خاله اللواء بسام حسن، المستشار الأمني لبشار الأسد. وفي تلك المرحلة، كُلّف فادي صقر بالإشراف على اللجان المحلية في شارع نسرين داخل حيّ التضامن.
أركان جرائم التضامن
أنشأت ميليشيا الدفاع الوطني شبكات اقتصادية في معظم المناطق التي انتشرت فيها، باستثناء حيّ التضامن، الذي خضع لسيطرة مباشرة ومشددة نظراً لأهميته الخاصة لدى فادي صقر. واعتمد في إدارة هذا الملف على مجموعة من المقربين المرتبطين بملف المجزرة، من أبرزهم:
- صالح الرأس (أبو منتجب): مقدم متقاعد، تولّى قيادة القطاع الشرقي من التضامن، وعُرف بلقب “هتلر” بسبب مظهره وسلوكه العنيف. وكان مسؤولاً عن التنسيق الميداني بين الأجهزة الأمنية وميليشيا الدفاع الوطني.
- ياسر سليمان: تسلّم لاحقاً قيادة مركز التضامن، واختير لهذا المنصب لاعتباره أكثر انضباطاً من زميله أبو منتجب.
جرائم غير موثقة
تعكس قصة أمّ محمد، التي فقدت ابنها عام 2015، المرحلة التي أحكمت فيها ميليشيا الدفاع الوطني سيطرتها على حيّ التضامن، حيث تشير ظروف الاعتقال إلى مسؤوليتها المباشرة عن اختفائه ومقتله.
تولّى أبو منتجب مهام التنسيق بين الأفرع الأمنية والميليشيا، ما منحه نفوذاً واسعاً داخل المنظومة الأمنية، وأثار في الوقت ذاته حذر فادي صقر من تعاظم دوره، الأمر الذي دفع إلى تعيين ياسر سليمان قائداً للقطاع، خاصة بعد انتقال صقر لتولي مسؤوليات أوسع على مستوى محافظة دمشق.
وخلال تلك الفترة، أنشأ أبو منتجب مراكز احتجاز خاصة، وحوّل منطقة دعبول إلى شبكة من السجون غير الرسمية، حيث كان يحتجز الشبان ويبتزّ ذويهم مقابل الإفراج عنهم، فيما جرى تصفية آخرين ودفنهم في مواقع متفرقة داخل الحي. كما توثق شهادات متعددة تورطه في انتهاكات جسيمة، شملت الاعتداءات الجنسية بحق نساء من عائلات مهجّرة.
وتشير إفادات متقاطعة إلى أن نفوذ أبو منتجب كان شبه مطلق ميدانياً، ولم يكن بالإمكان الوصول إليه بسهولة بسبب الحماية المشددة التي أحاط بها نفسه، في حين كان الوصول إلى فادي صقر في مقر الحرس الجمهوري أكثر يسراً. وتشير هذه الإفادات إلى أن صقر كان على تواصل مباشر معه، بل وكان في بعض الحالات يتظاهر بالتدخل لصالح الأهالي دون اتخاذ إجراءات فعلية.
كما تؤكد شهادات عائلات فقدت أبناءها بعد اختطافهم أن عمليات الإعدام استمرت بعد عام 2014 بشكل أقل علنية، وغالباً ما كانت مرتبطة بعدم دفع الفدية أو بقرارات تعسفية من قادة ميدانيين. وتفيد هذه الشهادات بأن فادي صقر كان على علم بهذه الممارسات، إذ لجأت إليه عائلات عدة مطالبةً بتدخله للإفراج عن أبنائها، دون أن تلقى استجابة تُذكر.
أنشأ أبو منتجب مراكز احتجاز خاصة، وحوّل منطقة دعبول إلى شبكة من السجون غير الرسمية، حيث كان يحتجز الشبان ويبتزّ ذويهم مقابل الإفراج عنهم، فيما جرى تصفية آخرين ودفنهم في مواقع متفرقة داخل الحي. كما توثق شهادات متعددة تورطه في انتهاكات جسيمة، شملت الاعتداءات الجنسية بحق نساء من عائلات مهجّرة.
أمجد يوسف يقر بالمجزرة: لم أتلقَ الأوامر من أحد
تبقى محاكمة أمجد يوسف مفتاحًا أساسياً لكشف حقيقة قضية التضامن والأحياء الجنوبية في دمشق، وأي محاولة لدفع أمجد يوسف تحت أي ضغط لتحمّل القضية بوصفها مجرد جريمة جنائية فردية، هي محاولة محكومة بالفشل. فاختزال القضية في مسؤولية شخصية معزولة لا يطمس بعدها البنيوي والسياسي، بل يدفع نحو مزيد من التشكيك الشعبي والدولي في نزاهة الإجراءات، ويعزز المطالب بفتح تحقيق أوسع حول المسؤوليات وسياق الجريمة.
إن تحويل القضية إلى ملف جنائي مغلق، بعيدًا عن مسار العدالة الانتقالية، لا يهدد فقط فرص إنصاف الضحايا، بل يحمّل البلاد كلفة سياسية واجتماعية باهظة، لأن فشل هذا المسار يعني عمليًا تعثر شروط التعافي الوطني. فهناك ترابط حقيقي بين إعادة الاستثمار، والنهوض المجتمعي، وبناء الثقة بالمؤسسات، وبين تحقيق العدالة الاجتماعية والمساءلة، بوصفهما ضمانتين لمنع عودة الحرب أو إنتاج الثورات المضادة بأشكال جديدة.
ومن هذا المنظور، فإن أي مقاربة تتجاوز الحقيقة أو تحاول حصر المسؤولية في “كبش فداء” لن تُغلق الملف، بل قد تجعل المحاكمة نفسها مدخلًا لتوسيع التضامن المحلي والدولي مع القضية، وتحويلها إلى اختبار لمصداقية العدالة في سوريا ومستقبل الاستقرار فيها.


