هند خلبفة
في خطوة وُصفت بأنها من أكثر التغييرات حساسية في بنية الإدارة الاقتصادية السورية منذ سقوط نظام الأسد، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم 99 لعام 2026 القاضي بتعيين محمد صفوت عبد الحميد رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي، مع نقل الحاكم السابق عبد القادر الحصرية إلى موقع سفير الجمهورية العربية السورية لدى كندا.
الإعلان الرسمي الذي نقلته وكالة الأنباء “سانا” اكتفى بتثبيت القرار من دون شرح علني لأسباب الإبعاد أو معايير النقل، فيما رأت وكالة “رويترز” للأنباء أن التغيير يأتي ضمن مسعى أوسع لإعادة ترتيب الفريق الاقتصادي والمالي في دمشق، في وقت ما زال فيه النظام المصرفي السوري معزولاً نسبياً عن التمويل العالمي رغم انحسار معظم العقوبات الغربية.
حاكم جديد بخلفية مصرفية دولية
يأتي اسم الحاكم الجديد محملاً بإشارات مختلفة عن سلفه، فبحسب ما أظهره ملفه المهني المنشور على “لينكدإن”، فإن رسلان من مواليد حلب عام 1981، كان قد حصل على إجازة في الاقتصاد من جامعة حلب ودبلوم في الإدارة الاستراتيجية من جامعة “لازارسكي” البولندية.

ويمتلك رسلان خبرة تمتد لأكثر من 20 عاماً في إدارة مخاطر الائتمان والحوكمة والتحول الرقمي، وقد عمل مستشاراً لدى شركتي EY و CAPCO، وخبيراً مصرفياً في مصارف ألمانية مثل دويتشه بنك وتارغوبنك، ومديراً لفرع بنك بيبلوس في سوريا.
وكان رسلان قد غادر سوريا إلى ألمانيا خلال الحرب وطلب اللجوء ثم حصل على الجنسية الألمانية، قبل أن يعود إلى سوريا عقب سقوط النظام، وعُين في تموز/ يوليو 2025 مديراً عاماً لصندوق التنمية السوري قبل تعيينه في المصرف المركزي.
رسائل الثقة في لحظة الانهيار
تحدّث رسلان فور تكليفه عن أن “الثقة لا تُبنى بالكلمات بل بالفعل والشفافية والنتائج”، ليمنحه هذا المزيج بين الخبرة المصرفية الخاصة والعمل في صندوق التنمية، نظرياً، صورة تكنوقراطية أقرب إلى الوظائف الإصلاحية منها إلى الوظائف السياسية.
لا يبدو سرّ إبعاد الحاكم السابق حصرية منفصلاً عن السياق الاقتصادي الأوسع الذي تعمل فيه المؤسسة النقدية السورية، فالبنك الدولي قال في تموز/يوليو 2025 إن الاقتصاد السوري انكمش 1.5بالمئة في 2024، ويتوقع نمواً لا يتجاوز 1 بالمئة في 2025، مع بقاء العوائق الأساسية على حالها، من ضغوط أمنية، وشح سيولة، وتعطل في المساعدات الخارجية، إلى جانب قيود مستمرة على الوصول إلى النظام المالي الدولي.
وفي تقرير آخر، أشار البنك إلى أن سوريا تواجه أزمة سيولة حادة ونقصاً في الأوراق النقدية واضطراباً واسعاً في التداول المحلي، وأن الدين العام ارتفع إلى مستويات ثقيلة جداً قياساً بحجم الاقتصاد، لتجعل هذه الخلفية أي تغيير على رأس المصرف المركزي جزءاً من معركة أوسع لإدارة الندرة، لا مجرد تبديل إداري في منصب سيادي.
خلفيات الإبعاد
تزداد أهمية التغيير إذا ما قُرئ إلى جانب المسار الذي كان الحصرية يقوده في الأشهر الماضية، حيث شهدت سوريا أول تحويل مصرفي دولي عبر نظام “سويفت” منذ اندلاع الحرب خلال فترة توليه، في إشارة إلى محاولة إعادة وصل ما انقطع مع القنوات المالية العالمية.
كما قال مصدران لـ”رويترز” إن مصارف سوريا ما تزال معزولة نسبياً عن النظام المالي الدولي، الأمر الذي يحدّ من قدرة البلاد على استقطاب الأموال اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.

بيد أن الجدل الحقيقي لا يتعلق بالسير الذاتية أو الوضع المصرفي بقدر ما يتعلق بالدوافع غير المعلنة وراء هذا الإبعاد المفاجئ، في هذا السياق، اعتبر الباحث والخبير الاقتصادي محمد علبي أن التغييرات الأخيرة تعكس حجم الصراع القائم داخل مراكز القرار الاقتصادي.
وأشار في منشور له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالأدوات النقدية فحسب، بل بطبيعة الجهة التي تتحكم فعلياً بالقرار المالي والنقدي في البلاد.
صراع النفوذ داخل المركزي
قال علبي إن المؤشرات التي سبقت إبعاد حاكم مصرف سوريا المركزي السابق كانت واضحة منذ أسابيع، ولم تكن مجرد تكهنات أو قراءات سياسية عابرة، بل نتاج خلافات متراكمة حول إدارة الملف النقدي، خاصة بعد بدء التعاون مع شركة “أوليفر وايمان” الأميركية لإجراء تقييم للفجوة المالية في القطاع المصرفي السوري، لافتاً إلى أنها خطوة جاءت ضمن مساعٍ لإعادة هيكلة المشهد المالي وفتح قنوات تواصل مع مؤسسات وخبرات دولية.
وأوضح أن التوتر تصاعد عقب ما وصفه بـ”إبعاد شخصيات نافذة” عن دوائر التأثير داخل المصرف المركزي، على خلفية بدء العمل مع الشركة الأميركية، معتبراً أن بعض مراكز النفوذ لا تزال تسعى للاحتفاظ بسلطات تتجاوز حدود المؤسسة النقدية نفسها، والتدخل حتى في الملفات التقنية المرتبطة بإدارة السياسة المالية وسعر الصرف.
وأضاف أن استمرار النفوذ الموازي داخل القطاع المالي ينعكس بشكل مباشر على قدرة المصرف المركزي في اتخاذ قرارات مستقلة، خاصة في ظل تنامي أدوات مالية وشركات دفع إلكتروني باتت تمتلك تأثيراً واسعاً على حركة السيولة والتحويلات داخل السوق السورية.
جوهر الخلاف
أشار الخبير الاقتصادي إلى أن التوجه التدريجي نحو تحرير سعر الصرف ضمن آلية “تعويم مُدار” كان من بين أبرز أسباب الخلاف داخل دوائر القرار، موضحاً أن هذا الخيار، رغم تأخره، يمثل محاولة للاقتراب من السعر الحقيقي للعملة وربط السياسة النقدية بواقع السوق، بدلاً من الاستمرار في إدارة سعر الصرف بوصفه أداة سياسية أو دعائية.
التجارب الاقتصادية العالمية أظهرت أن تثبيت أسعار الصرف بشكل قسري لفترات طويلة يؤدي غالباً إلى توسع السوق السوداء واستنزاف الاحتياطي النقدي، وهو ما عانت منه سوريا خلال السنوات الماضية مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.
الخبير والباحث الاقتصادي محمد علبي
وانتقد علبي غياب الاستقلالية الفعلية للمصرف المركزي، معتبراً أن أي سلطة نقدية في العالم تحتاج إلى هامش واضح من الاستقلال في إدارة السياسة النقدية بعيداً عن التدخلات السياسية اليومية، خصوصاً في الدول التي تواجه أزمات تضخم وانهياراً في قيمة العملة المحلية، مستشهداً بتقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي تؤكد أن استقلالية المصارف المركزية تُعد من أبرز العوامل المرتبطة بتحقيق الاستقرار النقدي والحد من التضخم في الاقتصادات الهشة.
أزمة أعمق من تغيير الأشخاص
رأى علبي أن المشكلة لا ترتبط بالأشخاص بقدر ما ترتبط ببنية القرار الاقتصادي نفسه، موضحاً أن أي حاكم جديد للمصرف المركزي سيواجه المعضلات ذاتها طالما بقي القرار النقدي الفعلي خارج المؤسسة النقدية، وطالما استمرت إدارة الاقتصاد بعقلية قصيرة الأمد تركز على تثبيت شكلي لسعر الصرف دون معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بالإنتاج والعجز المالي وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي.

وأضاف أن أي محاولة لتحقيق استقرار نقدي حقيقي تتطلب إصلاحات أعمق تشمل تعزيز الشفافية وإعادة هيكلة القطاع المالي وضبط أدوات السوق الموازية، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات إدارية مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة الاقتصادية في سوريا.
في مقابل هذه القراءة التي تركز على الصراع المكشوف، يتبنى الباحث الاقتصادي يونس الكريم مقاربة مغايرة، إذ اعتبر أن الروايات المتداولة حول تنحية عبد القادر حصرية من موقعه ترتكز بدرجة كبيرة على تفسيرات سياسية وشعبوية لا تعكس، بحسب تقديره، طبيعة التحولات الأعمق الجارية داخل مؤسسات الدولة السورية.
إعادة ترتيب لا صدامات
أشار الكريم في منشور له عبر منصة “فيسبوك” إلى أن الحديث عن “صدام مباشر مع المشايخ” أو تحدٍ لسلطة دينية وسياسية يبدو تبسيطاً لمشهد أكثر تعقيداً تحكمه اعتبارات إعادة ترتيب مراكز النفوذ وإعادة هيكلة الإدارة الاقتصادية في البلاد.
وأوضح أن المرحلة الحالية تشهد، عملياً، عملية إعادة تنظيم داخلية تشمل المؤسسات المالية والإدارية، في ظل ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة تواجهها السلطة السورية، سواء على المستوى الداخلي أو في سياق محاولات إعادة التموضع الإقليمي والانفتاح الخارجي التدريجي.
وأضاف أن هذه التحولات لا يمكن قراءتها بمعزل عن المتغيرات الاقتصادية التي تعيشها سوريا، بدءاً من أزمة السيولة وسعر الصرف، مروراً بتراجع الثقة بالمؤسسات النقدية، وصولاً إلى الضغوط المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المالي ومحاولات جذب قنوات دعم واستثمار جديدة.
هل الخلافات الشخصية وراء التغيير؟
أشار الباحث الاقتصادي إلى أن أي شخصية تدخل في مواجهة مباشرة مع مراكز القرار الأساسية يصبح من الصعب إعادة تدويرها لاحقاً في مواقع حساسة أو تكليفها بملفات ذات طابع اقتصادي ودولي، خاصة في ظل حاجة دمشق الحالية إلى تقديم صورة أكثر استقراراً أمام الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة بالملف السوري.
ورأى أن ما جرى لا يبدو مرتبطاً بخلاف شخصي أو أيديولوجي بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار داخل البنية الحاكمة نفسها، في إطار محاولات ضبط التوازنات الداخلية وإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسات الاقتصادية ومراكز النفوذ السياسي.

ويأتي هذا التغيير في وقت تواصل فيه الليرة السورية تراجعها القياسي في السوق الموازية، لتصل إلى حدود 13700 ليرة للدولار الواحد، بينما يُبقي مصرف سوريا المركزي سعر الصرف الرسمي في البنوك عند 11250 ليرة للشراء، مما يعمق الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي ويغذي السوق السوداء.
والأكثر إثارة للقلق أن هذا الإبعاد تم بعد أيام فقط من إعلان الحاكم السابق عن تمديد مهلة استبدال العملة الجديدة مرتين حتى 30 حزيران/ يونيو المقبل، أي أن التعديل طال شخصاً كان على وشك الإشراف على عملية نقدية حساسة ومصيرية.
المصدر :الحل

