الرئيسية » “القمح السوري” بين التسعيرة الحكومية وكلفة الإنتاج.. كم يبلغ السعر العادل؟

“القمح السوري” بين التسعيرة الحكومية وكلفة الإنتاج.. كم يبلغ السعر العادل؟

بواسطة Younes

هند خليفة

لم يكن قرار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية تحديد سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى عند 46 ألف ليرة سورية جديدة لموسم 2026 تفصيلاً فنياً عابراً في سوق الحبوب، بل بدا نقطة احتكاك جديدة بين الدولة والمنتج الزراعي في ملف يختلط فيه الاقتصادي بالمعيشي والسيادي.

فالقمح، في بلد أنهكته الحرب وتقلّصت فيه القدرات الإنتاجية وتعثرت فيه منظومات الدعم، لم يعد مجرد محصول يُقاس بسعره عند باب المستودع، بل صار معياراً لمدى قدرة السياسة الزراعية على حماية الفلاح، وضمان التسليم، وتخفيف الاعتماد على الاستيراد في ظل مخزون استراتيجي هش وطلب داخلي مرتفع.

التسعيرة تشعل الجدل

حدّدت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية السعر الجديد على أن تصدر التعليمات التنفيذية لاحقاً، ما أشعل اعتراضات في الرقة ودير الزور ودرعا، وأعاد طرح السؤال الأقدم والأكثر إلحاحاً حول قيمة السعر العادل.

بدا القرار، بالنسبة إلى كثير من المزارعين دليلاً إضافياً على اتساع الفجوة بين السياسات الاقتصادية الرسمية والواقع الفعلي للإنتاج الزراعي، ففي وقت تسعى فيه الحكومة الانتقالية إلى تقليص فاتورة الاستيراد والحفاظ على مخزونها الاستراتيجي من القمح وسط أزمة مزمنة في النقد الأجنبي، يواجه الفلاح السوري موسماً جديداً من التكاليف المرتفعة والدعم المحدود.

وزارة الاقتصاد والصناعة السورية حددت سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى عند 46 ألف ليرة سورية جديدة لموسم 2026- أرشيفية

كما جاء القرار في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الاقتصاد السوري، فبحسب تقديرات رسمية، تحتاج البلاد إلى نحو 2.5 مليون طن من القمح سنوياً لتغطية الاستهلاك المحلي، بينما لا تزال القدرة الإنتاجية متأثرة بسنوات الجفاف والحرب وتراجع الاستثمارات الزراعية.

وفي حين تقول الحكومة إن الموسم الحالي يحمل مؤشرات أفضل من السنوات الماضية، تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن سوريا ما تزال تواجه فجوة غذائية كبيرة، مع استمرار انخفاض إنتاج الحبوب مقارنة بمتوسطات ما قبل الحرب وارتفاع الاعتماد على الواردات.

مقارنة غير عادلة

المفارقة أن الحكومة تدافع عن السعر الجديد باعتباره أعلى من مستويات القمح في بعض الأسواق العالمية، لكن هذا المنطق يثير اعتراضاً واسعاً لدى خبراء ومزارعين يعتبرون أن المقارنة بحد ذاتها مضللة.

فالقمح في روسيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة يُنتج ضمن منظومات زراعية مدعومة وعالية الكفاءة، بينما يُزرع القمح السوري في بيئة تتآكل فيها البنية التحتية الزراعية عاماً بعد آخر، ويتحمل فيها المزارع الجزء الأكبر من التكاليف منفرداً، من الوقود إلى الأسمدة وحتى أجور النقل والحصاد.

في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي أن قرار وزارة الاقتصاد السورية تحديد سعر شراء القمح من الفلاحين عند مستوى 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، بما يعادل نحو 340 دولاراً، لا يمكن اعتباره عادلاً أو منطقياً إذا جرت مقارنته بشكل مباشر مع الأسعار العالمية للقمح من دون النظر إلى الفوارق الكبيرة في ظروف الإنتاج الزراعي بين سوريا والدول المنتجة الكبرى.

وأوضح الجزماتي في منشور له عبر منصة “فيسبوك” أن بعض الجهات التي تدافع عن التسعيرة الحكومية تستند إلى أن أسعار القمح في الأسواق الدولية أقل من السعر المحلي، معتبرة أن ذلك يجعل السعر السوري “مقبولاً”، إلا أن هذه المقاربة، وفق وصفه، تتجاهل طبيعة التكاليف الحقيقية التي يتحملها الفلاح السوري في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

كلفة الإنتاج الخفية

أشار الجزماتي إلى أن القمح في الدول الكبرى يُنتج ضمن منظومات زراعية متطورة ومدعومة، تشمل مستويات عالية من المكننة الزراعية، واستخدام بذار محسّنة، إضافة إلى وجود مراكز أبحاث متخصصة وبرامج تمويل وتأمين زراعي، فضلاً عن أشكال مختلفة من الدعم الحكومي للمحروقات والأسمدة.

وأضاف أن الفلاح في تلك الدول لا يتحمل منفرداً أعباء العملية الزراعية كما هو الحال في سوريا، حيث يواجه المنتج الزراعي ارتفاعاً كبيراً في تكاليف الري والمحروقات والنقل والأسمدة وأجور العمال، ما يرفع الكلفة النهائية لإنتاج الطن الواحد من القمح.

         متوسط إنتاج الحبوب في سوريا لا يزال من بين الأدنى إقليمياً، إذ يبلغ نحو 1.6 طن للهكتار الواحد- أرشيفية

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن متوسط إنتاج الحبوب في سوريا لا يزال من بين الأدنى إقليمياً، إذ يبلغ نحو 1.6 طن للهكتار الواحد، مقارنة بنحو 3.7 أطنان في تركيا وأكثر من 7 أطنان في فرنسا.

ولا تعني هذه الفجوة في الإنتاجية فقط ضعف العائد الزراعي، بل تعني أيضاً أن الفلاح السوري يوزع تكاليفه المرتفعة على محصول أقل، ما يرفع الكلفة الحقيقية للطن مقارنة بالمزارعين في الاقتصادات الزراعية المستقرة

النموذج التركي والحسابات السورية

لفت الجزماتي إلى أن تركيا، التي تُعد من أقرب النماذج إلى الحالة السورية، تعتمد سياسة دعم أوسع بكثير من مجرد تحديد سعر شراء القمح، إذ تقدم دعماً مباشراً للفلاحين يشمل المحروقات والأسمدة والبذور وبرامج الحماية الزراعية، ما يسمح للمزارع بالحفاظ على هامش ربح معقول، مشيراً إلى أنه في المقابل، يتحمل الفلاح السوري الجزء الأكبر من التكاليف منفرداً، في ظل تراجع الدعم وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج بشكل متواصل.

لكن المشكلة لا تتعلق فقط بمقدار السعر، بل أيضاً بالطريقة التي جرى احتسابه بها، فبحسب الباحث الاقتصادي يونس الكريم، فإن الجدل المتصاعد حول تسعير القمح يعود بصورة أساسية إلى آلية التسعير التي اعتمدتها الحكومة، والتي استندت إلى أسعار عقود التسليم في الموانئ الروسية والأوكرانية خلال نيسان/أبريل، عند مستويات تراوحت بين 220 و240 دولاراً للطن، يضاف إليها نحو 130 دولاراً كحافز تشجيعي.

ويرى الكريم بحسب منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن هذا الأسلوب يتجاهل حقيقة أن أسعار التسليم ـFOB  لا تشمل الشحن والتأمين والتفريغ والنقل، وهي عناصر ارتفعت بصورة حادة منذ الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب حركة التجارة العالمية.

وأوضح أن السعر النهائي للقمح عند وصوله إلى الموانئ السورية يكون أعلى بكثير من السعر المرجعي المُعلن، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف التأمين البحري والشحن، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بممرات التجارة والطاقة، مشيراً إلى أن بعض الدول المصدّرة قد تقدم أسعاراً تفضيلية مرتبطة بحسابات سياسية أكثر من ارتباطها بآليات السوق التقليدية.

بورصة عالمية.. وواقع مختلف

في المقابل، أشار الكريم إلى أن بعض المحللين الاقتصاديين يعتمدون على أسعار بورصة شيكاغو للحبوب باعتبارها مرجعاً عالمياً لتحديد أسعار القمح، إلا أنه شدد على أن هذه المقارنات تتضمن أحياناً أخطاء في احتساب وحدة “البوشل” وتحويلها إلى سعر الطن، ما يؤدي إلى تقديرات مضللة للأسعار العالمية الحقيقية.

وبرأيه، فإن المشكلة الأساسية ليست في وجود سعر عالمي منخفض أو مرتفع، بل في محاولة تطبيقه على اقتصاد زراعي يعيش ظروفاً استثنائية ومختلفة جذرياً عن الدول المصدّرة الكبرى.

برنامج الأغذية العالمي أعلن مؤخراً خفض مساعداته الغذائية في سوريا بسبب نقص التمويل- أرشيفية

ورأى أن التسعيرة الحكومية الحالية تحمل طابعاً “شعبوياً” أكثر من كونها ناتجة عن دراسة واقعية لتكاليف الإنتاج داخل سوريا، معتبراً أنها لا تأخذ بعين الاعتبار اضطرار الفلاحين إلى شراء معظم مستلزمات الإنتاج من السوق السوداء نتيجة شح المواد وغياب الدعم الكافي.

وأضاف أن السعر المعلن قد يكون قادراً بالكاد على تغطية تكاليف الزراعة البعلية بهامش ربح محدود، لكنه يفشل في تغطية تكاليف الزراعة المروية التي تعتمد على ضخ المياه والمحروقات والأسمدة مرتفعة الثمن.

الأمن الغذائي في مهب الأزمة

المعضلة التي تواجه الحكومة اليوم لا تتعلق فقط بإرضاء المزارعين أو تخفيف الاحتجاجات، بل ترتبط مباشرة بقدرتها على تجميع القمح محلياً لتقليل فاتورة الاستيراد، فوفق تقديرات اقتصادية، قد تضطر سوريا إلى إنفاق مئات ملايين الدولارات سنوياً على استيراد القمح إذا تراجعت كميات التسليم المحلي، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص مزمن في العملات الأجنبية وتراجع المساعدات الدولية.

وكان برنامج الأغذية العالمي قد أعلن مؤخراً خفض مساعداته الغذائية في سوريا بسبب نقص التمويل، بالتزامن مع تحذيرات أممية من استمرار انعدام الأمن الغذائي لملايين السوريين.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو معادلة القمح في سوريا أكثر تعقيداً من مجرد قرار تسعير إداري، فالدولة تحاول خفض كلفة الشراء لتخفيف الضغط على الخزينة، بينما يرى المزارعون أن السعر الحالي يهدد استمرارية الزراعة نفسها، ليبقى الأمن الغذائي الحلقة الأكثر هشاشة بين الطرفين لأن خسارة الفلاح لا تعني فقط تراجع دخله، بل تعني أيضاً اتساع اعتماد البلاد على الخارج في تأمين أكثر السلع حساسية سياسياً واجتماعياً وهو الخبز.

المصدر: الحل .

مقالات ذات صلة