هند خليفة
أحدث رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور، مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الحبتور، موجة من التساؤلات والتحليلات في الأوساط الاقتصادية بعد إعلانه المفاجئ، في مقابلة مع محطة “سي إن بي سي” العربية، تراجعه عن المشاركة في أي مشاريع استثمارية في سوريا في الوقت الحالي، مكتفياً بتقديم الدعم الإنساني فقط.
هذا التصريح، الذي جاء بعد زيارة قام بها إلى دمشق في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي ضمن وفد لاستكشاف فرص الاستثمار، وبعد إعلانات واسعة عن استعداده لإطلاق مشروع استثماري ضخم في العاصمة بالتنسيق مع الحكومة السورية في شباط/فبراير الماضي، يشكل تراجعاً دراماتيكياً ومؤشراً سلبياً على البيئة الاستثمارية في سوريا التي تسعى لجذب رؤوس الأموال الخليجية والعربية.
بين الوعود والواقع
أوضح الحبتور، خلال المقابلة، أن الأولوية في عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري يجب أن تكون للسوريين أنفسهم، ثم للمستثمرين العرب لاحقاً، وهو موقف يعكس رؤية إنسانية وأخوية قبل أن تكون تجارية.

إلا أن هذا الموقف، الذي أكد فيه استعداده للعمل مع السوريين عندما تتهيأ الظروف المناسبة، يسلط الضوء على فجوة واسعة بين الزخم الإعلامي المصاحب للإعلانات الاستثمارية والواقع الاقتصادي المعقد على الأرض، والذي لا يزال يعاني من حالة من عدم اليقين السياسي والأمني التي تمنع المستثمرين من الالتزام بمشاريع كبرى تحتاج إلى ضمانات طويلة الأمد.
فالمشاريع الاستثمارية الكبرى تتطلب بيئة مستقرة، وضمانات قانونية واضحة لحماية الاستثمارات، وآليات فعالة لفض النزاعات، وهي عناصر لا تزال قيد الاختبار في سوريا الجديدة.
قراءة أبعد من الحدث
من جهته، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن الجدل المثار حول رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور والاستثمار في سوريا يجب أن يُقرأ في سياقه الاقتصادي والمؤسساتي الأوسع، بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو محاولات تحميل طرف واحد مسؤولية تعثر الاستثمارات.
وأوضح الكريم، في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن تتبع تجربة الحبتور الاستثمارية في عدد من الدول الخارجة من النزاعات، ومنها لبنان، يُظهر أن مقاربته لم تكن تقوم دائماً على مفهوم الشراكة الاستثمارية التقليدية طويلة الأمد، بقدر ما كانت ترتكز على البحث عن فرص استثنائية في بيئات تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة، بما يتيح الحصول على مزايا وضمانات أوسع من تلك المتاحة في الأسواق المستقرة.
وأضاف أن هذا السلوك لا يقتصر على مستثمر بعينه، بل يمثل نهجاً معروفاً لدى شريحة من المستثمرين العالميين الذين ينظرون إلى الدول الخارجة من الحروب والأزمات باعتبارها أسواقاً تتيح فرصاً تفاوضية أكبر نتيجة الحاجة الملحة لرؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية، إلا أن نجاح هذه الاستثمارات، بحسب رأيه، يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على توفير بيئة قانونية ومؤسساتية مستقرة وواضحة.
عقبات أمام رأس المال
أشار الباحث الاقتصادي إلى أن البيئة الاستثمارية السورية ما تزال تواجه تحديات بنيوية كبيرة، رغم الحديث المتزايد عن فرص إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، مشيراً إلى أن غياب الوضوح التشريعي، وتكرار تعديل القوانين الاقتصادية، وضعف الضمانات القانونية للمستثمرين، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بالتمويل والتحويلات المصرفية واستمرار بعض آثار العقوبات الدولية، كلها عوامل ترفع من مستوى المخاطر الاستثمارية وتجعل قرارات الاستثمار الكبرى أكثر تعقيداً.
كما رأى أن إدارة بعض الملفات الاقتصادية والاستثمارية ما تزال بحاجة إلى مزيد من الخبرة التكنوقراطية والمؤسسية، بما ينعكس إيجاباً على آليات اتخاذ القرار ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.

ولفت إلى أن التجاذبات السياسية الإقليمية والدولية ما تزال تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي السوري، حيث تُستخدم الملفات الاقتصادية في كثير من الأحيان ضمن حسابات سياسية أوسع، الأمر الذي يجعل بعض المشاريع الاستثمارية رهينة للتغيرات السياسية أكثر من ارتباطها بالجدوى الاقتصادية المباشرة.
وأضاف أن التجربة السورية خلال العام الماضي شهدت تكرار الإعلان عن مشاريع واستثمارات كبيرة لم تصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي أو تعثرت لاحقاً، ما أدى إلى ترسيخ حالة من الشك لدى الأسواق والمستثمرين.
أزمة ثقة أم أزمة تشريعات؟
في هذا السياق، شدد الكريم على أن خروج المستثمر أو تراجعه عن مشروع معلن يترك أثراً سلبياً على سمعة البيئة الاستثمارية يفوق في كثير من الأحيان الأثر الإيجابي الناتج عن الإعلان الأولي لدخوله.
وأكد أن أي تقييم مهني للمخاطر الاستثمارية يشير إلى أن سوريا ما تزال بحاجة إلى استكمال مجموعة من الإصلاحات الأساسية قبل أن تصبح وجهة جاذبة للاستثمارات الكبرى طويلة الأجل.
وبرأيه، فإن الأولوية لا ينبغي أن تقتصر على البحث عن مستثمرين جدد، بل على الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بالنموذج الاقتصادي الذي تسعى الدولة إلى تبنيه، وآليات حماية حقوق جميع الأطراف، وأولويات الاستثمار الوطنية، وحدود الامتيازات التي يمكن منحها للمستثمرين وآليات تنظيمها قانونياً.
وأوضح أن هناك ملفات اقتصادية أكثر إلحاحاً وقدرة على تحقيق نتائج ملموسة في المرحلة الحالية، من بينها تطوير وتنظيم قطاع الحوالات المالية، وإعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام وتحويل بعضها إلى شركات مساهمة مع الحفاظ على الرقابة العامة، والاستثمار في القطاعات القادرة على توليد إيرادات سريعة، إضافة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وفق أولويات اقتصادية واضحة تبدأ بالمناطق الأقل تضرراً، فضلاً عن المضي في مسار واضح للعدالة الانتقالية وتعزيز الثقة بالمؤسسات وإبعاد الشخصيات الخاضعة للعقوبات أو المثيرة للجدل عن المشهد الاقتصادي.
هل غادر الحبتور فعلاً؟
ختم الكريم بالقول إن بناء بيئة قانونية ومؤسساتية مستقرة سيؤدي تلقائياً إلى جذب الاستثمارات الجادة والقابلة للاستمرار، ويحول المشاريع الاقتصادية إلى أدوات حقيقية للتنمية والنمو بدلاً من بقائها رهينة الوعود الإعلامية أو التجاذبات السياسية.

واعتبر أن الحديث عن “خروج” الحبتور من سوريا قد لا يكون توصيفاً دقيقاً من الناحية الاقتصادية، لأن المشروع الاستثماري لم يصل أساساً إلى مرحلة الدخول الفعلي والتنفيذ المباشر على الأرض، مضيفاً أن تضخيم هذه القضية وتحويلها إلى معركة إعلامية لا يخدم صورة الاقتصاد السوري ولا يساعد في معالجة التحديات الحقيقية التي تواجه الاستثمار في البلاد.
في المقابل، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية، التي تستهدف رفع الاستثمارات الأجنبية إلى مستويات قياسية، هو تحويل الإعلانات الاستثمارية إلى عقود تنفيذية، فمع استمرار ضعف البنية التحتية، وتعقيدات قانون قيصر، وغياب نظام مصرفي فعال، تبقى الثقة عائقاً رئيسياً أمام تدفق رؤوس الأموال، وهو ما يجعل خطوة مستثمر بحجم خلف الحبتور بمثابة اختبار حقيقي لقدرة سوريا على جذب الاستثمار وتعزيز ثقة الأسواق المحلية والدولية على حد سواء.
المصدر :الحل .

