لم يكن قطاع الأدوية في سوريا بمعزل عن الأزمات التي عاشها السوريون على مدار 14 عاماً بين نقص الأصناف الأساسية لا سيما الخاصة بالأمراض المزمنة وارتفاع الأسعار، وسط تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وتعاني “أم فراس” (52 عاما)، مصابة بمرض السرطان، من عدم قدرتها على تغطية تكاليف العلاج بسبب ارتفاع أسعار الصور الشعاعية والتحاليل المخبرية.
وتقول المرأة الخمسينية، “اضطر لطلب العون من أصحاب الخير والجمعيات الخيرية لتأمين تكاليف العلاج.
بدوره، يقول خير الله خير، صيدلاني في جرمانا، إن أسعار الأدوية ما تزال مرتفعة مقارنة بدخل المواطن، مضيفا أن “الدواء متوفر لكن المشكلة في ثمنه”.
وأشار الصيدلاني، في حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”، إلى أن أدوية مرض السرطان تعتبر باهظة الثمن حتى وإن توفرت بعد رفع العقوبات.
رفع العقوبات.. آمال وتوقعات
يواجه قطاع صناعة الدواء بسبب العقوبات الدولية على سوريا تحديات كبيرة ابتداءً من صعوبة استيراد المواد الأولية، وعرقلة عمليات تحويل الأموال، بالإضافة لصعوبة تأمين قطع الغيار والصيانة اللازمة لمصانع الأدوية.
كما عانت هذه الصناعة من شبه انقطاع إنتاج العديد من الأصناف، بسبب العقوبات، فضلاً عن الارتفاع الكبير في أسعار أدوية الأمراض المزمنة، بما فيها التي توصف لأمراض القلب والسكري والسرطان والأدوية المناعية.
وبعد رفع العقوبات يترقب سوق الدواء انفراجا طال انتظاره يعيد الأدوية المفقودة إلى رفوف الصيدليات، وإعادة ضبط الأسعار التي أثقلت كاهل السوريين لسنوات.
ومن المتوقع أن يسهم رفع العقوبات في إدخال خطوط إنتاج حديثة وتجهيزات بتقنيات متطورة، وتوفير الأدوية التي كانت ممنوعة أو باهظة الثمن خلال السنوات الماضية.
ووفقاً للأمين العام للمجلس العلمي للصناعات الدوائية، التابع للحكومة، نبيل القصير، فإن أبرز التحديات تمثل في حظر استيراد الأجهزة المخبرية الأوروبية والأميركية المتطورة مما تضطر المصانع المحلية لاستيرادها من بلدان وسيطة مثل الأردن أو ماليزيا بتكاليف مضاعفة ويستغرق وصولها وقتا أطول.
وأشار القصير، في حديثه ، إلى صعوبة كبير كانت تواجه سوق الدواء تتمثل بالقيود المفروضة على تحويل الأموال واللجوء إلى طرق التفافية تؤدي ضياع مبالغ كبيرة نتيجة إغلاق مكاتب التحويل والوسطاء.
الأسعار وتجربة إدلب
تعمل وزارة الصحة بالتعاون مع المجلس العلمي على وضع خطة لضمان تسعير عادل ومدروس لكل المستحضرات الدوائية في جميع المحافظات، بالإضافة إلى توحيد الأسعار مع محافظة إدلب، بحسب القصير.
وأشار الأمين العام للمجلس العلمي إلى أن تخفيض الأسعار يحتاج لوقت ريثما يحصل استقرار في سعر الصرف وتحرير الأموال المجمدة لدى البنوك لصالح المعامل الدوائية، موضحا أن المصانع باتت تتمتع بحرية أكبر في استيراد المواد الأولية ذات الجودة العالية.
قطاع عام محدود مقابل 98 مصنعاً خاصاً
يمتلك القطاع الحكومي العام في سوريا مصنعين لإنتاج الأدوية “تاميكو” و”الديماس”، في حين هناك 98 مصنعا خاصا.
مطلع العام الحالي، أعلنت شركة “تاميكو” بأنها تشغل حالياً 6 خطوط إنتاج تشمل الأقراص والكبسول والأشرِبة بأنواعها وأملاح تعويض الشوارد والمعقمات، بحسب وكالة الأنباء الرسمية “سانا”.
وبلغت الطاقة الإنتاجية لـ “تاميكو” 60 صنفاً دوائياً هذا العام بزيادة أكثر من 80 بالمئة مقارنة بالعام الماضية (35 صنفاً فقط)، وبقيمة إجمالية وصلت إلى 102 مليار ليرة سورية (أي ما يعادل 100 ألف دولار أميركي).
في غضون ذلك، يعتزم المجلس العلمي للصناعات الدوائية وضع خطة تطويرية بعد رفع معظم العقوبات الدولية، في أيار/مايو الماضي، تشمل تجديد شهادات الجودة الأوروبية للمصانع، والتعاون مع جهات مانحة جديدة لرفع سوية المعامل ورفع سوية المنتج المحلي.
ومن المتوقع أن تساهم الخطة في تسهيل عمليات التسويق وتحسين أداء المعامل الوطنية.
الأسعار لن تنخفض سريعاً
على الرغم من أن قطاع الأدوية لم يكن مشمولا بالعقوبات بشكل مباشر، وظل معفى منها حتى خلال سنوات الحرب، إلا أن صعوبات الاستيراد والقيود المفروضة على البنوك وارتفاع التكاليف استمرت في الحد من توفر الأدوية في الأسواق.
ويقول يونس الكريم، خبير اقتصادي، إن رفع العقوبات سيعمل على توفير الأدوية بشكل غير مباشر، مما سيُسهل عملية الدفع للمستوردين سواء للقطاع الحكومي أو القطاع الخاص أو منظمات المجتمع المدني أو الأفراد.
ويضيف الكريم، في حديثه ، أن عملية الدفع عبر البنوك ستصبح أكثر مرونة لأن هناك موجة عالمية لتخفيض أسعار الأدوية، وبالتالي ستشجع هذه الخطوة العديد من المنظمات الدولية والعربية على توجيه الدعم للمجتمع السوري الذي يعاني عدد كبير منه من أمراض مزمنة كثيرة نتيجة 14 عاماً من الحرب.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن رفع العقوبات قد يفتح الباب أمام تدفق المعدات الطبية التي كان يُخشى من استخدامها المزدوج أو بيعها في السوق السوداء، مما قد يسهم في تحسين الوضع الصحي السوري بشكل عام.
ويستبعد الخبير انخفاض أسعار الأدوية بشكل فوري لعدة أسباب:
أولاً، لم يتم تفعيل نظام التحويلات المصرفية “سويفت” في سوريا، الأمر يتطلب وقتاً وبنية تحتية مصرفية.
ثانياً، استمرار اضطراب سعر صرف الدولار وتراجع القوة الشرائية لدى المواطن.
ثالثا، غياب تشريعات طبية واضحة، الأمر الذي ينعكس على الصناعة الدوائية وقطاع الاستشفاء، حتى إن وضع المستشفيات “السيئ” لم يرمم بعد، على حد وصفه.
بالإضافة إلى عدم تدفق المساعدات الدولية والعربية بالقدر الكافي حتى الآن.
تفعيل نظام سويفت.. وضبط الأسعار
علاوة على ذلك، فإن إعادة ربط سوريا بنظام “سويفت” (SWIFT)، وهو نظام مصرفي عالمي يربط البنوك والمؤسسات المالية، من شأنه أن يسهل بشكل كبير حركة تدفق الأموال وإتمام الصفقات التجارية، الأمر الذي يشكل عاملا حاسما في تهيئة بيئة استثمارية أكثر استقراراً لقطاع الأدوية والقطاعات الإنتاجية الأخرى.
ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم على ضرورة سن تشريعات واضحة للصناعة الدوائية أو الاستشفائية، وتسهيل عملية الاستيراد من خلال وزارة المالية والبنك المركزي، دعم الصناعة الدوائية المحلية لتحسين الجودة والانتقال لصناعة دوائية لأمراض الحيوية مثل السرطان.
ويلفت إلى ضرورة إنشاء غرف تنسيق بين المنتجين المحليين والقطاع المدني ووزارة الصحة لضبط السوق ومتابعة الأصناف الدوائية الناقصة لتحقيق التكامل من دون أن يكون هناك تنافس قد يؤدي إلى طرد واستبعاد المنتج المحلي من جهة أو ارتفاع أسعار الأدوية من جهة أخرى.
المصدر : تلفزيون سوريا

