محمد كساح
أعاد التوجه الحكومي نحو إلغاء البلاغ رقم 10 الخاص بتقييد إنشاء المنشآت الصناعية وحظرها خارج المناطق الصناعية والمخططات التنظيمية، النقاشات حول جدوى إلغاء هذا البلاغ الذي أدخل النظام السابق تعديلات عديدة عليه، وسط حاجة عدد من المحافظات السورية التي لا تتوفر فيها مناطق صناعية إلى تنظيم القطاع الصناعي بعيداً عن الحظر أو المنشآت الصناعية العشوائية، كما يمكن ربط هذا التوجه الحكومي مع الاستثمارات الصناعية المرتقبة التي سبق ووقعتها الحكومة السورية مع عدد من الفاعلين الاقتصاديين.
لجنة حكومية
وفي هذا الصدد، أفاد مدير الاستثمار الصناعي في وزارة الاقتصاد السورية بسمان مهنا خلال حديثه بأن الوزارة تدرس إلغاء البلاغ رقم 10 الخاص بالمنشآت الصناعية خارج المخططات التنظيمية والمناطق الصناعية لكنها لم تبادر إلى إلغائه حتى الآن، لافتاً إلى وجود لجنة مشكلة من رئاسة مجلس الوزراء تضم ممثلين من وزارة الاقتصاد والصناعة ووزارة الإدارة المحلية ووزارة الزراعة لإعادة النظر بالبلاغ المذكور وأيضا إعادة النظر بالبلاغين 16 و17 بما يخدم تطلعات ورغبة الصناعيين وخاصة في المحافظات التي لا يوجد فيها مدن ومناطق صناعية.
وأشار مهنا إلى أن البلاغ 10 حصر إقامة المنشآت الصناعية في المدن والمناطق الصناعية وهذا لا يلبي رغبة الصناعيين في بعض المحافظات، مؤكداً عقد عدة اجتماعات بهذا الخصوص للجنة المشكلة لهذا الغرض.
وأضاف أن اللجنة تدرس وتراجع هذه البلاغات لوضع المسودة الأولية لبلاغ واحد مشترك يخدم المرحلة ويتلائم أيضا مع مذكرات التفاهم الموقعة مؤخرا التي تخدم التطور الصناعي وجلب الاستثمارات الصناعية.
وينص البلاغ رقم 10 الصادر في العام 2018 على منع ترخيص المنشآت الصناعية بجميع أنواعها وأشكالها ولجميع القطاعات الأخرى بما في ذلك الصناعات التي تعتمد على المنتجات الزراعية خارج المدن والمناطق الصناعية وخارج المخططات التنظيمية.
مرونة بيروقراطية
وتعليقاً، يوضح الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم أن البلاغ رقم 10 وتعديلاته المتمثلة بالبلاغين رقم 16 و17، تعتبر تعليمات تنظيمية تتعلق بإنشاء منشآت صناعية خارج المناطق الصناعية والمخطط التنظيمي.
ويضيف خلال حديثه، أنه ينبغي التفريق بين القرار والبلاغ فالقرار يحمل صفة إلزامية وقوة قانونية تصدر من الوزراء ومجلس الوزراء وينشر في الجريدة الرسمية، في حين يُنظر إلى البلاغ كصفة تنظيمية وتوجيهية حتى في حال صدوره من الوزير أو أي جهة مخولة، وهو يمنح هامشاً كبيراً لتفسير آلية التطبيق، ومن هذا المنطلق قد يُلزم البلاغ جهات معينة وقد لا يُلزم جهات أخرى، وبما أن البلاغ لا يحمل تفاصيل كثيرة فهو يمثل الجانب المرن من البيروقراطية الإدارية، وعادة البلاغ يطبق بالأنظمة المستقرة، أما في الأنظمة الناشئة فهو مدعاة لحالات فساد قد تعيق خطط الحكومة .
ويتابع بأن النظام المخلوع فسّر تعديلاته المتكررة على البلاغ رقم 10 بمحاولة تخفيف الإجراءات البيروقراطية التي كانت تمنع المستثمرين من الاتجاه إلى الاستثمار في أماكن خارج المخطط التنظيمي أي الأراضي الزراعية، ما يقود إلى تنشيط حركة الصناعة في المناطق الريفية وتوفير فرص العمل وتخفيف الكلفة في المناطق الصناعية، لكن هذا التفسير يخفي جانباً آخر وهو أن المناطق الصناعية تحوي بنى تحتية تم تجاوزها وتغييب حركة الاستثمار عليها.
تداعيات سلبية
وحول احتمال توجه الحكومة السورية الجديدة إلى إلغاء البلاغ رقم 10 وتعديل البلاغين رقم 16 و17، يعتقد الكريم إلى أن ذلك يعني العودة إلى نقطة الصفر والانتشار العشوائي للصناعة والضجيج والتلوث وانهيار البنى التحتية لعدم قدرتها على تحمل ضغط التصنيع، وفقاً لتعبيره.
ولا يمكن فصل هذه التعديلات، وفقاً للكريم، عن سياق مذكرات التفاهم الاستثمارية التي تم توقيعها مع الحكومة السورية، وسابقاً عمل النظام المخلوع على إدخال تعديلات على البلاغ في ظل توقيع مذكرات واتفاقيات استثمارية مع إيران، ما يعني إعادة نفس التعديلات حالياً للتماشي مع نشاط حركة الاستثمار.
ويعتقد الكريم أن الأَولى من تعديل هذه البلاغات هو إعادة تقييم المشاريع الصناعية لفرز المشاريع النشطة والمتوقفة وإنذار أصحاب المشاريع المتوقفة وتحديد مهلة لإعادة تفعيل مشاريعهم، تمهيداً لإدخال مستثمرين آخرين في حال لم يلتزموا بالمهلة الممنوحة.
وبناء على ما سبق، يضع الكريم التعديلات المرتقبة في سياق منح تسهيلات للمستثمرين لكنها ستكون غالباً على حساب البنى التحتية والمساحات الزراعية التي ستتقلص بفعل حركة التصنيع، كون البلاغ يمهد للسماح للوحدات الإدارية بإقامة منشآت صناعية واتخاذ قرارات من شأنها تعميق الفساد والضغط على المواطنين ورفع أسعار بعض العقارات التي ستتحول إلى مناطق صناعية، ما سيخلق فوضى جديدة تضاف إلى الحياة الاقتصادية السورية.
ويشير الكريم إلى أن المستثمرين في حال تم فتح المجال لإنشاء المصانع في المناطق الزراعية لن يلتزموا بخطط الحكومة لتطوير الأماكن الصناعية، ما يعني العودة إلى ثقافة التربح على حساب المصلحة العامة، والتأثير على خطط الحكومة الاقتصادية.
الإلغاء المؤقت أفضل
من جانبه، يقدم الخبير الاقتصادي رضوان الدبس قراءة مختلفة نوعاً ما لقراءة الكريم، حيث يلفت الانتباه إلى معضلة التصنيع في محافظات عديدة مثل حماة ودير الزور وإدلب التي لا توجد فيها مدن صناعية، علماً أن المدن الصناعة المخدمة والمؤهلة للنشاط الصناعي تقتصر فقط على منطقتي الشيخ نجار بحلب وحسياء في حمص.
ويضيف الدبس بأنه حتى في حلب لا يمكن اختصار محافظة كبيرة تعد العاصمة الاقتصادية للبلاد بمنطقة الشيخ نجار، لأن إمكانات التصنيع في المحافظة أكبر من الشيخ نجار، ومن هذا المنطلق يرى أن إلغاء البلاغ رقم 10 بشكل مؤقت، سيؤدي إلى تسهيل افتتاح مصانع وورش ومنشآت صناعية في أي منطقة ما يتيح حرية أوسع لممارسة النشاط الصناعي وتسهيل وتسريع النشاطات الصناعية في الوقت الحاضر على الأقل، حتى يتم تنظيم قطاع المناطق الصناعية وتجهيز البنى التحتية لها.
ومن جهة أخرى، يلفت الدبس إلى أن تسريع الإلغاء المؤقت للبلاغ رقم 10 يفتح المجال لإنشاء مشاريع الإنتاج الصناعي الحيواني مثل الألبان والأجبان والسمن وتعليب اللحوم، إضافة لتصنيع المنتجات الزراعية المختلفة، كون إنشاء منشآت صناعية سيتم في الأراضي الزراعية التي تعد بيئة جاذبة لهذا النوع من الاستثمارات.
وبخصوص ربط التوجه الحكومي لإلغاء البلاغ رقم 10 مع حركة الاستثمار المرتقبة في البلاد، يوضح الدبس أنه لا يمكن القول بوجود ربط متكامل لهذا التوجه مع مذكرات التفاهم الموقعة مؤخراً لعدم وجود تفاصيل للمذكرات تؤكد مثل هذه الفرضية، لكن على العموم سيسهِّل هذا التوجه عمل الفاعلين الاقتصاديين وإنشاء مشاريع صناعية جديدة.
وكمثال عن المشاريع الصناعية المعتمدة على الرأسمال الخارجي، يشير الدبس إلى اتفاقية الاستثمار في قطاع الإسمنت التي وقعتها الشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت ومواد البناء “عمران” مع مجموعة إسمنت الشمالية السعودية، لتأهيل وتطوير معمل إسمنت عدرا، وذلك على هامش مؤتمر ENTERCEM 2025 الدولي لصناعة الإسمنت، المنعقد في مدينة إسطنبول التركية.
وبالرغم من إيجابية التوجه الحكومي للسماح بتأسيس منشآت صناعية خارج المخططات التنظيمية، ينصح الدبس ببدء العمل الفوري على خطة بديلة تشمل تأسيس مناطق صناعية في المحافظات الخالية من هذه المناطق وتأهيل البنى التحتية لهذه التجمعات الصناعية خارج العشوائيات وبشكل منظم وغير مؤثِّر سلباً على البيئة.
نشاط صناعي
وسبق أن كشف معاون وزير الاقتصاد والصناعة، محمد ياسين حورية، أن عدد المعامل التي عادت إلى العمل داخل سوريا تجاوز 1,500 معمل، مضيفاً في تصريحات لوكالة سانا أن الطلبات ترد بشكل يومي من صناعيين من خارج البلاد، في مؤشر على استعادة ثقة المستثمرين بالبيئة الصناعية السورية، ولافتاً إلى أن محافظة حلب سجلت النسبة الأكبر من طلبات عودة المنشآت، تليها ريف دمشق، ومن ضمنها مدينة عدرا الصناعية.
وأكد حورية أن وزارة الاقتصاد بدأت فعلياً بمراجعة شاملة لعدد من البلاغات والقرارات الناظمة للعمل الصناعي، وفي مقدمتها البلاغ رقم 10 المجحف بحق الصناعة السورية، وتابع أن العمل جارٍ على مراجعة البلاغين رقم 16 ورقم 17، المتعلقة بإقامة منشآت صناعية خارج المدن والمناطق الصناعية، إلى جانب إعادة النظر في البلاغ رقم 4، وذلك في إطار تحديث المنظومة القانونية بما يتماشى مع متطلبات المرحلة الحالية.
وقال إن إجراءات منح الموافقات أصبحت أكثر بساطة وسرعة، حيث يتم تحديد موقع المعمل، ثم الحصول على القرار الصناعي، وتقديم طلب الإعفاء الجمركي للآلات، ليحال لاحقاً إلى هيئة المنافذ ثم إلى المعبر المطلوب، وذلك خلال مدة لا تتجاوز أسبوعاً.
كم ألمح إلى أن الهيئة السورية للمواصفات والمقاييس بدأت خطوات فعلية نحو تحديث المواصفات القياسية، من خلال تشكيل لجان فنية مختصة لكل قطاع، منها لجنة لصناعة المنظفات، بهدف تعديل المواصفات المعمول بها بما يواكب التطور العلمي والصناعي العالمي.
المصدر :تلفزيون سوريا

