الرئيسية » كيف يستعيد القطاع المصرفي ثقة المودعين؟

كيف يستعيد القطاع المصرفي ثقة المودعين؟

بواسطة Younes

وعد ديب

يبقى القطاع المصرفي السوري في قلب النقاش الاقتصادي، مع استمرار ضعف السيولة وانكفائه عن أداء دوره الأساسي في تمويل النشاط الاقتصادي. ويؤكد الخبراء أن أي إصلاح اقتصادي جدي لا يمكن أن ينجح إلا باستعادة ثقة المودعين، إذ تُعد الثقة المدخل الأساسي لإعادة تشغيل الدورة المالية وضمان تدفق الأموال نحو النشاط الإنتاجي والاستثماري.

ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم، أن المصارف السورية عملت خلال السنوات الماضية ضمن بيئة شديدة التقييد، يمكن وصفها بسياسة “تجفيف السيولة”، التي استهدفت بالدرجة الأولى ضبط الطلب النقدي في ظل التآكل الحاد للاحتياطيات من القطع الأجنبي، سواء داخل البلاد أو خارجها، نتيجة العقوبات الاقتصادية والعزلة المالية.

وقال الكريم، إن هذه السياسة خلال حكم النظام المخلوع لم تقتصر على إدارة السيولة فحسب، بل تحولت إلى أداة للسيطرة على التضخم والتحكم بالتجارة، وما يرتبط بها من ضبط للطبقة التجارية وإدارة منظومة الولاءات السياسية.

وأوضح أن هذه السياسات لم تكن نتاج مرحلة التحرير، بل امتداداً لنهج بدأ يتبلور منذ عام 2018، إلا أنها تصاعدت بشكل ملحوظ خلال العام الماضي تحت ضغط الظروف الاستثنائية. ففي ظل تقلّص هامش المناورة لدى مصرف سوريا المركزي، وجد نفسه مضطراً إلى تشديد القيود على الإقراض بدل توسيعه، رغم ما يحمله ذلك من آثار سلبية مباشرة على النشاط الاقتصادي.

خلق النقود

لفت الكريم إلى أن مفهوم “خلق النقود” يُتداول في الخطاب العام غالباً بصورة مبسّطة أو حتى مضلّلة، بينما يتخذ في الحالة السورية شكلين رئيسيين متمايزين.

وأوضح أن المسار الأول يتمثل في الإصدار النقدي المباشر من قبل مصرف سوريا المركزي، المعروف بتمويل العجز. ورغم تعدد أدواته وصيغه، إلا أن جوهره واحد: زيادة الكتلة النقدية دون وجود مقابل إنتاجي حقيقي، ما يعني ضخ سيولة إضافية تُفاقم الضغوط التضخمية.

أما المسار الثاني فهو النقود المصرفية الناتجة عن عمليات الودائع والإقراض. فحين تمنح المصارف قروضاً جديدة، فإنها تخلق فعلياً نقوداً إضافية داخل الاقتصاد، حتى إن لم تُطبع ورقياً، إذ تُسجل كأرصدة قابلة للتداول وتعمل بوصفها قوة شرائية جديدة في السوق.

وأشار الكريم إلى أن النقود الائتمانية تُعد بطبيعتها أقل كلفة على الاقتصاد من الإصدار النقدي المباشر، لأنها تنشأ ضمن دورة مصرفية يمكن ضبطها وتوجيهها بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد على توليد الدخل. غير أن الواقع السوري دفع نحو تفضيل التمويل بالعجز، نتيجة المخاوف من توسّع ائتماني غير منضبط في اقتصاد يعاني هشاشة إنتاجية وضعفاً في الرقابة، إضافة إلى تكدّس الودائع داخل المصارف دون قدرة على تحويلها إلى نشاط اقتصادي فعلي، في ظل شحّ حاد في موارد القطع الأجنبي.

هذه العوامل مجتمعة جعلت السلطات النقدية تميل إلى تشديد الائتمان وتقليص الإقراض كخيار دفاعي، رغم إدراكها أن هذا النهج يرفع الكلفة الاقتصادية على المدى المتوسط عبر إضعاف الاستثمار وتقييد النشاط الإنتاجي.

وأوضح الكريم أن تمويل العجز كان عاملًا حاسماً في التضخم غير المسبوق الذي شهدته الكتلة النقدية خلال السنوات الماضية. فقبل عام 2011، كانت هذه الكتلة تُقدَّر بنحو 600 مليار ليرة مودعة في المصرف المركزي، وما يقارب 600 مليار ليرة متداولة في السوق. أما خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2024، فقد قفزت – وفق تقديرات متداولة – إلى نحو 60 تريليون ليرة.

هذا التوسع الهائل لا يعكس أي نمو اقتصادي فعلي، بل نتج أساساً عن تغطية نفقات الدولة عبر الإصدار النقدي المباشر، ما جعل أثره تضخمياً مباشراً وسريع الانتقال إلى الأسعار في ظل غياب قدرة الاقتصاد على امتصاص هذه السيولة.

تقييد الإقراض

رأى الكريم أن تقييد الإقراض لم يكن قراراً تقنياً بحتاً، بل ارتبط أيضاً بطبيعة البيئة السياسية الداخلية شديدة التعقيد، حيث تتداخل قوى النفوذ مع حدود القانون وقدرة الدولة على ضبط الفاعلين الاقتصاديين. وفي ظل هذه المعادلة، أصبح أي توسّع واسع في الائتمان مرشحاً لأن يؤدي إلى ارتفاع كبير في الطلب على القطع الأجنبي في سوق يعاني أصلاً من نقص حاد في توفره.

وأضاف أن هذا التوسع، لو حدث، كان سيقود إلى موجة تضخمية أكبر، ما كان سيجبر المصرف المركزي لاحقاً على زيادة الطباعة النقدية لتلبية الطلب، وبكلفة أعلى. لذلك حاول المركزي إيجاد توازن بين النقود المطبوعة والنقود الائتمانية، لكنه في النهاية اختار الحد من الائتمان رغم كلفته الاقتصادية، باعتباره الخيار الأقل خطورة ضمن هامش المناورة الضيق المتاح له.

اقتصاد منكمش

رأى الكريم أن تقييد الإقراض أدى إلى انكماش حاد في الائتمان، وحرمان القطاعات الإنتاجية – الصناعية والزراعية والخدمية – من التمويل الضروري لاستمرار نشاطها، بما يعني فقدان الرافعة المالية التي تخفّض الكلف وتزيد القدرة على الاستثمار وتوسيع الإنتاج. وقد انعكس ذلك مباشرة على تراجع الاستثمار وتقلص فرص العمل.

وأضاف أن الدولرة غير الرسمية ووجود سعر موازٍ جعل معظم السلع، بما فيها المحلية، تُسعَّر وفق سعر الدولار في السوق السوداء، من دون أن يقابل ذلك توفر فعلي للقطع الأجنبي، وهو ما دفع الأسعار إلى الارتفاع وخفّض القوة الشرائية للمواطنين.

استعادة ثقة المودعين

يؤكد الكريم أن أي إصلاح اقتصادي جدي يجب أن يبدأ من استعادة ثقة المودعين، باعتبارها المدخل الأساسي لإعادة تشغيل الدورة المالية. ويتحقق ذلك عبر:

  • إنهاء تدريجي لسياسات حبس السيولة، بما يسمح للودائع بالعودة إلى دورها الطبيعي في تمويل النشاط الاقتصادي.
  • إنشاء نظام تأمين ودائع حقيقي وشفاف، يوفر حماية فعلية للمودعين ويعيد بناء الثقة بالنظام المصرفي.
  • تحسين الشفافية والإفصاح داخل المصارف والسلطات النقدية، بما يحدّ من المخاطر ويعزز الانضباط المالي.
  • إعادة توجيه الائتمان نحو الاقتصاد الحقيقي بدل تركّزه في أنشطة ريعية أو مجمدة.
  • اعتماد أسعار فائدة واقعية تعكس المخاطر الحقيقية وتعيد التوازن إلى سوق الائتمان.
  • السعي لتخفيف العزلة المالية عبر إيجاد قنوات آمنة وشرعية للتعاملات الخارجية، بما يقلل الاعتماد على الوسائط غير الرسمية.

ويشدد الكريم على أن بقاء المصارف خارج دورها الطبيعي سيُبقي الاقتصاد في حالة شلل مزمن، فيما سيظل المودع الحلقة الأضعف في المنظومة المصرفية ما لم تُعالج التشوهات البنيوية ويُعاد بناء الثقة من جذورها.

المصدر :الثورة السورية؟

مقالات ذات صلة