الرئيسية » أزمة تسعير القمح السوري: تسعير حكومي مجحف أم دعم للزراعة؟

أزمة تسعير القمح السوري: تسعير حكومي مجحف أم دعم للزراعة؟

بواسطة Younes

تواجه زراعة القمح في سوريا تحديات هيكلية معقدة تتجاوز الخلاف الرقمي؛ إذ تقع بؤرة الأزمة بين محاولات الحكومة لضبط موازنة الدعم التمويني وتأمين رغيف الخبز، وبين تصاعد تكاليف الإنتاج من محروقات وأسمدة وبذار التي يتحملها الفلاح. هذا التباين يحوّل مسألة التسعير الإداري من أداة دعم مفترضة إلى عبء اقتصادي يهدد استدامة القطاع الزراعي بأكمله.

وقد طفت هذه الأزمة مجدداً على السطح عقب صدور القرار الحكومي رقم 94 لعام 2026 (الصادر عن رئاسة مجلس الجمهورية رقم 9 لعام 2025 )، والذي حُدد بموجبه سعر طن القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ 46,000 ليرة سورية جديدة، وهو ما يعادل نحو 338 دولاراً أمريكياً في السوق الموازية.

تكشف هذه التسعيرة عن فجوات عميقة في آلية اتخاذ القرار الاقتصادي؛ فبالرغم من مقاربة السعر للمؤشرات العالمية نظرياً بالتزامن مع السياسات النقدية الجديدة، إلا أنها تثير من جديد تساؤلات جوهرية حول الدوافع العميقة وراء هذه القرارات، وتأثيراتها الممتدة التي لا تتوقف عند المزارعين فحسب، بل تمس معيشة السوريين كافة. ويمكن تلخيص الآثار الأربعة الأكثر أهمية فيما يلي:

أولاً: غياب التنسيق والتوقيت غير المدروس:

عملية التسعير لم تأخذ بعين الاعتبار عامل “توقيت القرار”، إذ جاء الإعلان عن السعر متأخراً بعد أن تكبّد الفلاحون تكاليف إنتاج مرتفعة، في حين كان من الأجدى تحديد “سعر تأشيري” قبل انطلاق الموسم الزراعي بهدف طمأنة المزارعين وتحفيزهم على التوسع في زراعة القمح. كذلك، برز غياب التنسيق الواضح بين الجهات الرسمية المعنية باحتساب التكلفة الحقيقية للإنتاج، حيث قدّر المزارعون السعر العادل بنحو 500 دولار للطن، مع إضافة ما يقارب 100 دولار أخرى محتملة لتغطية الارتفاع الكبير في الكلف، من محروقات وغيرها، ليصبح بحدود 600 دولار للطن، وذلك استناداً إلى أسعار الموسم الماضي؛ إذ بلغ سعر القمح في مناطق الإدارة الذاتية 420 دولاراً للطن، مقابل 320 دولاراً في مناطق الحكومة السورية، إضافة إلى مكافأة تشجيعية للمزارعين بقيمة 130 دولاراً. ويكتسب هذا التقدير أهمية أكبر إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن أسعار المحروقات حينها كانت أقل بكثير، قبل تحرير أسعارها وما تبعه من ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج.

ثانياً: معضلة التضخم وفجوة العملة (دولرة التكاليف ومحلية العائد):

يتمثل الخلل الهيكلي الثاني في ربط تسعير المحصول بالعملة المحلية التي تواجه تقلبات حادة وتآكلاً مستمراً في قدرتها الشرائية جراء التضخم وارتفاع الأسعار؛ ففي ظل اعتماد سعر الدولار في السوق الموازية (السوداء) كمؤشر فعلي لتحديد قيم السلع، تصبح أي تسعيرة إدارية ثابتة بالليرة عرضة للتآكل السريع، لا سيما مع ضخ كميات كبيرة من الكتلة النقدية لتسديد قيم المحاصيل خلال موسم التسليم، ما يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي من الليرة السورية، والضغط على سعر الصرف وارتفاعه، وبالتالي تفاقم خسارة القيمة الحقيقية لثمن المحاصيل الزراعية المسلّمة للمزارعين. ويتعمق هذا الخلل البنيوي عبر “انفصام التكلفة عن العائد”، إذ يتقاضى الفلاح مستحقاته بالليرة المحلية، بينما يُجبر في المقابل على تأمين مدخلات الإنتاج الحيوية من أسمدة ومحروقات وبذار بأسعار “مدولرة” ترتبط طردياً بسعر الصرف في السوق الموازية، وهو ما يخلق تبايناً حاداً بين محلية العائد ودولرة التكاليف، ويؤدي إلى فجوة خسارة تلقائية ومستمرة للمزارع بمجرد استلام ثمن محصوله، نتيجة اختلال التوازن البنيوي بين طرفي العملية الإنتاجية.

ثالثاً: السعر “الرسمي” مقابل “تحت الرسمي” (تشوهات السوق والمقارنات المرجعية):

يبرز الخلاف حول تسعير طن القمح نتيجة اعتماد وزارة الاقتصاد على السعر التأشيري الوارد في القرار رقم 94، والمستند إلى عقود التسليم في الموانئ الروسية والأوكرانية (FOB) لشهر نيسان، عند مستوى يتراوح بين 220 و240 دولاراً للطن، يضاف إليها نحو 130 دولاراً مكافئة تشجعية  العام الماضي من الرئيس الشرع. وتستند الوزارة في ذلك إلى كون سوريا تعتمد بصورة رئيسية على الاستيراد من هذين المصدرين.

غير أن أسعار عقود الـFOB في روسيا وأوكرانيا تعكس قيمة السلعة عند الميناء فقط، من دون احتساب تكاليف الشحن البحري والتأمين والنقل، وهي تكاليف مرتفعة ومتغيرة باستمرار، ما يجعل السعر النهائي عند وصول الشحنات أعلى بكثير من السعر المرجعي المعلن. كما أن بعض التقديرات تشير إلى أن موسكو وكييف قد تعتمد تسعيراً منخفضاً نسبياً لأسباب سياسية مرتبطة بالحفاظ على الحلفاء والأسواق خلال ظروف الحرب.

في المقابل، يعتمد بعض المحللين على أسعار بورصة شيكاغو للحبوب، حيث يُسعَّر القمح بالبوشل، وهو وحدة تعادل نحو 27.2 كيلوغراماً، ويُتداول عند حدود 6.4 دولارات للبوشل. غير أن هذه المقارنة تواجه إشكالية ناتجة عن اختلاف وحدات القياس وطرق التسعير المعتمدة، إلى جانب تكرار أخطاء في احتساب الوزن المعادل للبوشل عند تحويله إلى سعر الطن، وهو ما يفضي إلى تباينات كبيرة في النتائج النهائية. وهو مادفع  بعض المحللين المحليين الى ذكر ان سعر العالمي للطن القمح يقارب 600 دولار.

دون ان ننسى ان اسعار البورصة شيكاغو عند 6.4 دولار هير نفسها تبقى عرضة للتقلب المستمر بفعل تصاعد الحرب في أوكرانيا، والجفاف في أوروبا، والتضخم في الولايات المتحدة، وأزمة مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى التسعير الحكومي باعتباره أقرب إلى الطابع “الشعبوي”، لكونه لا يأخذ بعين الاعتبار أن الفلاحين يضطرون لشراء معظم مستلزمات الإنتاج من السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير من السعر الرسمي نتيجة الشح ونقص الإمدادات، ما يجعل السعر المعلن غير كافٍ لتغطية التكلفة الفعلية، مع اعتماده بشكل سطحي على الأسعار المنشورة عبر الإنترنت. وتغطي هذه التسعيرة كلف الزراعة “البعلية” فقط بهامش ربح محدود لا يتجاوز 100 إلى 200 دولار للهكتار، بينما تعجز تماماً عن تغطية الزراعة المروية، نظراً للشح الحاد الذي يجبر الفلاح على تأمين معظم مستلزماته من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، مما يحوّل السعر الحكومي الثابت إلى أداة إدارية منفصلة عن ديناميكيات الكلف الحقيقية للإنتاج والحصاد.

رابعاً: فلسفة الدعم وجمود العقلية البيروقراطية (التناقض البنيوي ومخاطر الاستثمار الأجنبي):

تكمن ذروة الأزمة في التناقض الجوهري الذي يحكم فلسفة القرار الاقتصادي؛ إذ تتبنى الجهات الرسمية خطاب “الاقتصاد الحر” لتبرير رفع الدعم عن المحروقات والأسمدة وكلف الشحن، بينما تعود لتفرض آليات “التحكم الإداري القسري” بإلزام المزارعين ببيع محصولهم للدولة ومنع التجارة الحرة به تحت شعار “الأمن الغذائي”، وهو مفهوم تتحمل كلفته شريحة الفلاحين وحدها بدلاً من أن تحميه الدولة.

ويتعمق هذا المأزق في ظل عجز الموازنة العامة عن تأمين سيولة القطع الأجنبي اللازمة لاستيراد القمح، ونفاد الأصول القابلة للبيع لدى الحكومة تحت شعار جذب الاستثمارات، بالتوازي مع تراجع الدعم المالي من دول الخليج نتيجة الحسابات الجيوسياسية وأزمة مضيق هرمز، مما يدفع صانع القرار السوري، في حال حدوث أي أزمة قمح خلال الموسم الحالي، إلى الارتهان مجدداً للحليف الروسي أو الأوكراني كخيار إنقاذ وحيد، بما قد يعني عملياً اصطفافاً سياسياً وعسكرياً.

طُرحت سابقاً مع مستثمرين من الإمارات والسعودية، تقوم على عقود “الاستئجار الطويل للأراضي الأكثر خصوبة”. وهي نماذج سبق أن أُثيرت في دول مثل السودان ولبنان، حيث أظهرت محدودية نجاحها؛ إذ يحصل المستثمر على امتيازات تشغيلية وميكانيكية واسعة، ومرونة في حركة الأموال والمدخلات، مع حرية نقل الإنتاج إلى الخارج، دون التزام فعلي بمتطلبات السوق المحلية إلا ضمن شروط تجارية وسياسية مشددة.

إن هذه السياسة لا تضعف القطاع الزراعي المحلي فحسب، بل تحد أيضاً من فرص المصدرين التقليديين في الوصول إلى أسواق الخليج، ما يعكس غياب التنسيق المؤسسي وافتقار الرؤية الاستراتيجية الواضحة. وبهذا تتحول القرارات الارتجالية الحالية إلى ألغام اقتصادية موقوتة تُزرع في بنية الأمن الغذائي السوري، والصناعة، وإعادة الاستقرار النقدي، تحت شعار إصلاحه.

مقالات ذات صلة