هند خليفة
يسجل الاقتصاد السوري، للمرة الأولى منذ سنوات الحرب الطويلة، مؤشرات توحي بعودة النشاط الاقتصادي إلى مسار تصاعدي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو ما إذا كانت هذه المؤشرات تعكس تعافياً اقتصادياً حقيقياً، أم أنها مجرد قفزة إحصائية ناتجة عن الانطلاق من قاعدة اقتصادية شديدة الانخفاض.
هذا الجدل عاد إلى الواجهة بعد أن توقع صندوق النقد الدولي أن يتجاوز نمو الاقتصاد السوري 10 بالمئة خلال عام 2026، في تقدير يعد من بين أعلى معدلات النمو المتوقعة عالمياً، بالتزامن مع تأكيده أن البلاد لا تزال بحاجة إلى دعم مالي دولي سريع وكبير بسبب اتساع الاحتياجات الإنسانية والتنموية.
عودة صندوق النقد إلى دمشق
جاءت هذه التوقعات عقب زيارة بعثة من خبراء صندوق النقد الدولي إلى دمشق بين 19 و23 تموز/ يوليو الماضي، في إطار متابعة برنامج المساعدة الفنية الذي استؤنف بعد انقطاع دام أكثر من أربعة عشر عاماً، حيث ناقشت البعثة مع السلطات السورية مسار الإصلاحات الاقتصادية، وأولويات السياسة المالية والنقدية، إضافة إلى توسيع مجالات الدعم الفني المقدم للمؤسسات الاقتصادية السورية.
وتعد هذه الزيارة امتداداً لمسار بدأ منذ عام 2025 مع عودة التواصل الرسمي بين دمشق والصندوق عقب التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد وإعادة انفتاحها التدريجي على المؤسسات المالية الدولية.

ويرى صندوق النقد أن الاقتصاد السوري دخل مرحلة تعافٍ متسارع بدأت ملامحها منذ عام 2025، مدفوعة بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ، وارتفاع مستويات الانفتاح الاقتصادي مع دول المنطقة، فضلاً عن تحسن إنتاج الكهرباء، وزيادة النشاط الاستثماري، وتحسن الظروف المناخية مقارنة بعام الجفاف السابق، وهو ما انعكس بصورة خاصة على القطاع الزراعي.
كما يتوقع الصندوق أن يستمر هذا الزخم خلال عام 2027 مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتوسع دور القطاع الخاص في قيادة النشاط الاقتصادي.
محركات النمو.. وأوجه القصور
يستند الصندوق في توقعاته إلى مجموعة من العوامل، أبرزها التعافي القوي للقطاع الزراعي نتيجة تحسن معدلات الأمطار، وزيادة إنتاج النفط والغاز، وتحسن إمدادات الكهرباء، إلى جانب استمرار توسع قطاعي التجارة والخدمات، وارتفاع أعداد الزوار والعائدين إلى البلاد، وهي عوامل يعتقد أنها ستدعم الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري.
في الوقت ذاته، يقر بأن هذا النمو لا يتوزع بصورة متساوية بين مختلف المناطق السورية، وأن معدلات الفقر لا تزال مرتفعة رغم تراجعها نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، ما يعني أن التحسن الاقتصادي لم ينعكس بعد بصورة متكافئة على مستوى معيشة السكان.
وعلى صعيد الأسعار، يشير الصندوق إلى أن التضخم الذي شهد تباطؤاً ملحوظاً خلال عام 2025 عاد للارتفاع خلال 2026 نتيجة زيادة أسعار الواردات، ولا سيما الوقود والمواد الغذائية، بفعل التوترات الإقليمية، إضافة إلى تحسن الطلب المحلي، ورفع أجور العاملين في القطاع العام، وارتفاع أسعار الخدمات الحكومية والإيجارات.
ومع ذلك، يتوقع الصندوق أن يتراجع التضخم تدريجياً في عام 2027 إذا انخفضت الضغوط الخارجية واستمرت السياسات المالية والنقدية المنضبطة، داعياً الحكومة إلى إعداد موازنة متحفظة للعام المقبل تعتمد على تقديرات واقعية للإيرادات والتمويل مع ضبط الإنفاق الجاري.
إصلاحات ضرورية ودعم لا غنى عنه
كما يرى الصندوق أن أوضاع المالية العامة شهدت تحسناً ملحوظاً، بعدما أنهت الحكومة موازنة عام 2025 بفائض محدود، مع توقع ارتفاع الإيرادات خلال 2026 بفضل زيادة الحصيلة الضريبية والجمركية، وتحسن إيرادات قطاع الهيدروكربونات، ورسوم تراخيص الاتصالات وعبور الوقود.
لكنه شدد في المقابل على أن هذا التحسن لا يغني عن الحاجة إلى دعم مالي خارجي واسع النطاق، لأن إعادة دمج اللاجئين والنازحين تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والخدمات العامة والإسكان وخلق فرص العمل، وهي احتياجات تتجاوز بكثير قدرات المالية العامة الحالية.

ولم يغفل التقرير الإشارة إلى التحديات التي لا تزال تواجه القطاع المالي، إذ أكد أن مصرف سوريا المركزي نجح في إدارة عملية طرح العملة الجديدة، إلا أن السياسة النقدية ما زالت تعاني محدودية أدواتها بسبب هشاشة القطاع المصرفي وضعف قدرته على القيام بدوره في الوساطة المالية وتمويل النشاط الاقتصادي.
لذلك دعا الصندوق إلى الإسراع في إعادة هيكلة المصارف، وتعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين جودة البيانات والإحصاءات الاقتصادية باعتبارها ركائز أساسية لأي تعافٍ مستدام.
الرقم وحده لا يكفي
رغم الصورة المتفائلة التي رسمها صندوق النقد، فإن عدداً من الخبراء الاقتصاديين يدعون إلى التعامل بحذر مع هذه التوقعات، وفي هذا السياق يقول الباحث الاقتصادي يونس الكريم إن معدل نمو يتجاوز 10بالمئة لا يمكن تفسيره باعتباره دليلاً تلقائياً على تعافي الاقتصاد، لأن مفهوم النمو الاقتصادي يرتبط بزيادة مستدامة في الناتج المحلي الإجمالي، أي في قيمة السلع والخدمات المنتجة داخل الاقتصاد، وليس بمجرد تحسن مؤقت في بعض المؤشرات أو تسجيل نسب مرتفعة نتيجة المقارنة مع سنوات الانكماش الحاد.
ويشير الكريم، وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، إلى أن مقارنة هذا الرقم مرتفع بمعدلات اعلى من معدل النمو في اقتصادات كبرى مثل الصين أو إسبانيا أو سنغافورة وبذلك تكون مضللة، لأن الاقتصاد السوري يبدأ من قاعدة إنتاجية منخفضة للغاية بعد أكثر من عقد من الحرب، ما يجعل أي تحسن محدود في النشاط الاقتصادي يترجم إلى نسبة نمو مرتفعة إحصائياً، وبعبارة أخرى، فإن الاقتصاد قد يسجل نمواً مزدوج الرقم دون أن يكون قد استعاد حجمه السابق أو حقق تحولاً هيكلياً في قدراته الإنتاجية.
ويشير إلى أن زيادة الاستيراد، ولا سيما من تركيا، لا تعني بالضرورة توسعاً في الإنتاج المحلي، بل قد تعكس ارتفاع الاعتماد على السلع الخارجية في ظل تعثر الصناعة الوطنية واستمرار فقدانها القدرة التنافسية، وهو ما يضعف فرص تحقيق نمو قائم على الإنتاج الحقيقي.
الاختبار الحقيقي للتعافي
يلفت الكريم إلى أن النقاش لا ينبغي أن يتركز على الرقم المعلن بقدر ما ينبغي أن ينصب على المنهجية التي استند إليها صندوق النقد في بناء توقعاته، وما إذا كانت تعتمد على بيانات ميدانية مكتملة أم على تقديرات رسمية قد لا تعكس بصورة كاملة واقع الاقتصاد السوري، مشيراً إلى أن عدداً من المؤسسات الدولية تعرض خلال السنوات الماضية لانتقادات بسبب اعتمادها على بيانات حكومية في بيئات تعاني ضعفاً في الأنظمة الإحصائية.
وفي المحصلة، تبدو توقعات صندوق النقد الدولي أقرب إلى سيناريو اقتصادي مشروط أكثر منها نتيجة مضمونة، إذ ترتبط بتحسن البيئة الاستثمارية، واستمرار تدفق التمويل الخارجي، ونجاح الإصلاحات الهيكلية، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، واستقرار الأوضاع الإقليمية.
وحتى إذا تحقق معدل النمو المتوقع، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في نسبة الناتج المحلي وحدها، وإنما في قدرة الاقتصاد السوري على تحويل هذا النمو إلى فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين دخول المواطنين، وتقليص معدلات الفقر، وهي المعايير التي تعتمدها المؤسسات الدولية نفسها للحكم على جودة التعافي الاقتصادي واستدامته، لا مجرد ارتفاع الأرقام في الجداول الإحصائية.
المصدر : الحل .

