الرئيسية » القصف الأردني يكشف الشبكة: معمل “الشبو” وتحولات اقتصاد الحرب في سوريا

القصف الأردني يكشف الشبكة: معمل “الشبو” وتحولات اقتصاد الحرب في سوريا

بواسطة Younes

علي علي

يعود ملفّ المخدّرات في سوريا إلى الواجهة من ثلاثة أبواب متشابكة، تكشف مجتمعة أنّ ما جرى خلال الأشهر  الماضية لم يكن حرباً حقيقية على هذه التجارة بقدر ما كان إعادة توزيع للنفوذ داخلها، وإعادة تشكيل للشبكات التي تتحكّم بمساراتها وتمويلها.

 فمع تفكّك السلطة المركزية التي تحاول اليوم الحكومة الانتقالية لملمة مراكز القوى فيها ، وتبدّل خرائط السيطرة بين القوى المحلية والإقليمية، لم تنحسر تجارة المخدّرات، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال أكثر مرونة وانتشاراً، وانتقلت من هيكل مركزي واضحة إلى شبكات متعدّدة المستويات تتوزّع بين مناطق النفوذ والحدود والمعابر.

في الوقت نفسه، دفع الانهيار الاقتصادي الحادّ وتآكل مؤسسات الدولة شرائح واسعة من المجتمع إلى الانخراط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في اقتصاد المخدّرات باعتباره أحد مصادر الدخل القليلة المتاحة. ومع تصاعد التناحر المجتمعي وغياب البدائل الاقتصادية، تحوّلت هذه التجارة إلى شريان تمويل تعتمد عليه مجموعات محلية وفاعلون مسلّحون وحتى شبكات اجتماعية كاملة تسعى إلى تأمين البقاء في بيئة تتآكل فيها مقومات الحياة الطبيعية. وهكذا، لم تعد المخدّرات مجرّد نشاط إجرامي لاقتصاد الظل للسلطة الذي نما على أنقاض الدولة، بل بات جزء من ثقافة البقاء للفئات المجتمعية .

أمّا البعد الثالث، فهو إقليمي ودولي بامتياز. فالمنطقة التي تقف اليوم على حافة مواجهات مفتوحة وتوازنات شديدة الهشاشة، باتت تنظر إلى تجارة المخدّرات بوصفها أداة نفوذ وضغط عابرة للحدود. ومن هنا، تحوّلت هذه التجارة إلى ورقة تُستخدم في الصراعات السياسية والأمنية، سواء عبر تهديد دول الجوار بالتدخل، أو عبر توظيفها في عمليات الابتزاز والتفاوض غير المباشر، أو حتى كوسيلة للتأثير في خرائط النفوذ الإقليمية والدولية.

هذه العوامل مجتمعة تجعل ملفّ المخدّرات في سوريا اليوم أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، وبات احد لاعبين بتشكل او تفكك الخرائط السورية على السواء

المخدرات من جديد في السويداء

السويداء، التي عاشت خلال السنوات الماضية حالةً من التوتر المركّب بين الانهيار الاقتصادي وغياب الدولة وتنامي القوى المحلية المسلحة، باتت بيئة هشّة سمحت بتمدّد اقتصاد الظلّ الذي تتصدّره تجارة المخدّرات. ومع تراجع فرص العمل، وتفكّك البنى الاجتماعية التقليدية الضابطة، وتصاعد الانتهاكات القادمة من دمشق، إلى جانب تعمّق القطيعة السياسية والمجتمعية مع السلطة المركزية، تحوّل جزء من تجارة المخدّرات إلى نشاط يرى فيه بعض الأفراد والجماعات وسيلةً للبقاء الاقتصادي، ومورداً لتمويل حالة المقاومة المحلية، ما أضفى عليه نوعاً من الشرعية المرحلية بوصفه جزءاً من متطلبات المرحلة لدى بعض الأوساط.

وفي موازاة ذلك، أُعيد رسم المشهد لتعود المحافظة جزءاً من مسار إقليمي أوسع مرتبط بخطوط التهريب العابرة للحدود، الأمر الذي جعل ملفّ المخدّرات يتداخل مع الحسابات الأمنية والسياسية لدول الجوار، ومع الصراع على طرق النفوذ والمعابر. وهكذا، لم يعد الملف محصوراً ضمن إطار القوى التقليدية أو النشاطات الإجرامية المحدودة، بل بات يرتبط مباشرةً بتوازنات القوة داخل الجنوب السوري وبالتحوّلات الإقليمية المحيطة به.

هذه الشرعية المرحلية أسهمت في استقطاب عدد من الخبراء والعاملين السابقين ضمن شبكات تصنيع المخدّرات المرتبطة بالنظام السوري. ففي 18 نيسان/أبريل 2026، انتقل خمسة خبراء كيميائيين كانوا يعملون سابقاً داخل مصنع خاص بتصنيع مادة الكريستال ميث تابع للفرقة الرابعة، إلى منشأة جديدة لتصنيع وتجهيز مخدّر الميثامفيتامين (الكريستال ميث)، المعروف محلياً باسم «الأتش بوز»، يُقال إنها تتبع للحرس الوطني الدرزي، وتقع جنوب قرية القريا في ريف السويداء الجنوبي.

وفي عملية تعكس بوضوح إعادة تدوير الخبرات والبنى التشغيلية التي تشكّلت خلال سنوات الحرب، وانتقالها بين مراكز نفوذ مختلفة تبعاً للتحولات السياسية والعسكرية، جرى استدعاء هؤلاء للعمل داخل المصنع من قبل العميد عبد الكريم حمادة، الضابط السابق في مكتب أمن الفرقة الرابعة التابعة للنظام السوري السابق، والذي فرّ إلى السويداء عقب سقوط النظام.

وينحدر حمادة من ريف اللاذقية، ويُعتقد أنّه تولّى الإشراف على استقطاب الكوادر الجديدة وإدارة جانب من العمليات التشغيلية، مستفيداً من معرفته المسبقة بالعاملين ضمن شبكات التصنيع السابقة وخبرته في البنية الأمنية واللوجستية المرتبطة بتجارة المخدّرات خلال السنوات الماضية.

وبحسب المعلومات الخاصة التي حصلنا عليها ، ضمّ الفريق المشرف على عمليات التصنيع خمسة خبراء كيميائيين كانوا قد عملوا سابقاً ضمن مصانع لإنتاج الكريستال ميث مرتبطة بالفرقة الرابعة في النظام السوري السابق، وهم:

  1. هارون حمود ،مهندس كيميائي.
  2. أيوب إسماعيل ، مهندس كيميائي.
  3. جعفر زريقة ، مهندس كيميائي.
  4. أمين بدور ، مهندس كيميائي.
  5. مهند ديوب ، مهندس كيميائي.

وتشير المعطيات إلى أنّ المصنع أُنشئ في نهاية شباط/فبراير 2026، بإشراف العميد عبد الكريم حمادة والعميد جهاد نجم الغوطاني، وهو ضابط سابق في الفرقة الرابعة ويتولّى حالياً قيادة ما يُعرف بـ”الحرس الوطني الدرزي”.

وبحسب المعلومات ذاتها، جرى إنشاء المصنع ليكون أحد الموارد المالية التابعة لقوات الحرس الوطني ، في ظل سعي التشكيلات المحلية إلى إيجاد مصادر تمويل ذاتية مع استمرار الانهيار الاقتصادي وتفكّك البنية المركزية للدولة. كما تُشير المعلومات إلى أنّ المشروع حظي بموافقة الشيخ حكمت الهجري، في سياق التوازنات المحلية المعقّدة التي تحكم المشهد في محافظة السويداء.

أسئلة بالسويداء والاجابة من دير الزور

تكشف المعطيات الميدانية المسرّبة لاقتصادي ،  عن تحوّل لافت في إعادة تشكيل شبكات تجارة المخدرات داخل الجغرافيا السورية، حيث تشير معلومات إلى تنفيذ عملية نقل لوجستية معقّدة لمعمل يُعتقد أنه مخصّص لإنتاج مادة “الكريستال ميث” (الشبو) من ريف دير الزور شرقًا باتجاه محافظة السويداء جنوبًا.

وبحسب معلومات خاصة لـ«اقتصادي»، فقد أقدمت مجموعة تابعة لفصيل يُعرف باسم “سرايا الجبل” على تفكيك منشأة تقع قرب حاجز البانوراما في دير الزور، وهي منطقة كانت خاضعة سابقًا لنفوذ الفرقة الرابعة التابعة للنظام السابق. وتم نقل تجهيزات المعمل على مراحل متتالية نحو السويداء، بدءًا من آذار/مارس 2025.

هذا التحرك يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة التفاهمات التي سمحت بمروره، وما إذا كان قد جرى بتنسيق مع أطراف نافذة في دمشق أو مع قوى إقليمية، أم أنه يندرج ضمن مسعى محلي من قبل العميد حمادة لإعادة بناء شبكات نفوذ جديدة عبر فصائل في السويداء ، حيث تشير المعطيات إلى أن العديد من هذه الفصائل ارتبط سابقًا بالفرقة الرابعة وبأنشطة مرتبطة بتجارة المخدرات، في إطار محاولات لتأسيس منظومة تمويل ذاتي استعدادًا لمرحلة صراعات محتملة.

ورغم أجواء التوتر والقطيعة التي أعقبت أحداث تموز/يوليو 2025 في السويداء، وما رافقها من انتقادات علنية طالت “ميليشيا المرسومي” على خلفية مشاركتها في الهجوم، فإن مسار التطورات اللاحقة أعاد فتح الملف من زاوية مختلفة، تتعلق بدوافع تلك المشاركة. وقد تعزّز هذا المسار مع القصف الأردني الذي استهدف، ليل السبت–الأحد مطلع أيار/مايو 2026، ستة مواقع مرتبطة بتجارة المخدرات في محافظة السويداء، وسط ترجيحات بأن تكون الضربات قد استندت إلى معلومات أمنية قُدّمت من جانب السلطة السورية.

هذا التركيز دفع مصادر خاصة لـ«اقتصادي» إلى ترجيح أن الدافع الأساسي وراء تحركات “المرسومي” لم يكن الانخراط المباشر في صراع محلي ذي طابع سياسي أو عشائري، بقدر ما ارتبط بتتبّع معمل إنتاج “الشبو” ومعداته، وربما بمحاولة اعتراض عملية نقله أو السيطرة عليه، في ظل تصاعد التنافس على شبكات التهريب والإنتاج المرتبطة بتجارة المخدرات في الجنوب السوري.

ويكشف المعمل، وفق هذه المعطيات، عن تشابكات أكثر تعقيدًا داخل شبكات اقتصاد الحرب السورية، إذ تشير المعلومات إلى أن طاقته الإنتاجية كانت تُقدّر ما بين 50 و70 كيلوغرامًا يوميًا، بينما نُقلت تجهيزاته أصلًا من العراق في أيار/مايو 2024 ضمن تنسيق يُنسب إلى القيادي في الحشد الشعبي “أبو ثائر العراقي” (رضا عبد الرزاق الموسوي)، وبغطاء وتسهيل من اللواء غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد والمسؤول الأمني في الفرقة الرابعة، مقابل مبالغ مالية قُدّرت بنحو 350 ألف دولار أمريكي.

وتشير المعطيات كذلك إلى أن هذا الخط لم يكن مخصصًا لإنتاج “الشبو” فقط، بل ارتبط أيضًا بتصنيع الكبتاغون، فيما كانت غالبية الإنتاج تُنقل وتُهرّب نحو الأردن ودول الخليج عبر شبكات وتجار مرتبطين بـ”أبو عبد الله” (قصي محمد الرمثان)، أحد أبناء عم تاجر المخدرات المعروف مرعي رويشد الرمثان، الذي قُتل في غارة جوية أردنية منتصف عام 2023.

وإذا ما صحت هذه التفاصيل، فإنها تعكس مستوى متقدمًا من تداخل شبكات المال والسلاح والتهريب العابر للحدود، وتُظهر كيف تحولت بعض مناطق الجنوب السوري إلى عقدة إقليمية معقدة في تجارة المخدرات، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية، ضمن مشهد يعكس التحولات العميقة التي طرأت على بنية اقتصاد الحرب في سوريا خلال السنوات الأخيرة.

مقالات ذات صلة