يطرح تعيين صفوت رسلان على رأس مصرف سوريا المركزي أسئلة معقدة في توقيت يُعد من الأصعب اقتصادياً ونقدياً في تاريخ البلاد، إذ يأتي الرجل إلى المنصب قبل أن تتضح ملامح مشروع “صندوق التنمية” الذي يرأس إدارته، لينتقل مباشرة إلى مؤسسة تواجه تحديات شديدة الحساسية، تبدأ من محاولة إعادة ربط القطاع المصرفي السوري بمنظومات التحويل والدفع العالمية مثل “سويفت” و”فيزا” و”ماستر كارد”، ولا تنتهي عند الملفات التشريعية والمصرفية العالقة.
كما يتسلّم رسلان مهامه في وقت لا تزال فيه عملية استبدال العملة السورية متعثرة وغامضة من حيث آليات الطباعة والتنفيذ والجهات المشرفة عليها، بالتوازي مع استمرار تعدد أسعار صرف الليرة السورية ووجود أسواق موازية تعكس هشاشة السياسة النقدية وفقدان الاستقرار المالي.
ويبرز هنا أيضاً تساؤل إداري مهم يتعلق بمصير “صندوق التنمية”: هل سيبقى تحت إدارة مستقلة؟ أم سينتقل إلى مظلة حكومية أو وزارة أخرى بعد انتقال رسلان إلى البنك المركزي؟
ورغم أن الحاكم الجديد يمتلك خلفية محاسبية وإدارية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه خبرة عميقة في إدارة السياسات النقدية المعقدة، وهي ملاحظة لا تُطرح بوصفها انتقاصاً من شخصه، بقدر ما تعكس حجم الأعباء الموضوعة على عاتقه في مرحلة شديدة الحساسية. ويُستحضر هنا اسم ميساء صابرين، التي تمتلك بدورها خلفية أكاديمية كدكتورة في المحاسبة، لكنها واجهت انتقادات واسعة خلال فترة إدارتها القصيرة للمصرف المركزي، في ظل تعثر واضح في معالجة الملفات النقدية.
ويبقى السؤال الأهم متعلقاً بالبنية المؤسسية المحيطة بالحاكم الجديد: هل سيتخذ قراراً بتفعيل مجلس النقد والتسليف ليكون قادراً على تقديم المشورة وصناعة القرار بصورة جماعية؟ وهل ستُشكَّل فرق استشارية قادرة على دعمه في إدارة الملفات النقدية المعقدة؟ وهل سيُعاد إحياء مكتب الدراسات في المصرف المركزي ليؤدي دوراً فعلياً في بناء المعلومة والتحليل الاقتصادي وصناعة السيناريوهات؟
كما يبرز تساؤل أوسع حول مدى قدرة المصرف المركزي على امتلاك الكفاءة والاستقلالية اللازمة في إدارة السياسة النقدية، أم أن القرارات ستظل رهينة ضغوط ردود الفعل الآنية والأزمات اليومية المتلاحقة.
وكان من الممكن اعتماد مقاربة أكثر تدرجاً عبر تعيين رسلان نائباً للحاكم لفترة انتقالية تمنحه فرصة للاحتكاك المباشر بملفات المصرف المركزي، قبل تثبيته رسمياً في المنصب مع تشكيل الحكومة الجديدة، خصوصاً إذا كانت القيادة السياسية ترى ضرورة انتقاله إلى هذا الموقع.
وفي جميع الأحوال، ستتجه الأنظار خلال المرحلة المقبلة إلى ردود فعل البنوك الإقليمية والدولية، وكذلك الدول والجهات الاستثمارية المحتملة، لمعرفة مدى استعدادها للتعامل مع الإدارة الجديدة للمصرف المركزي، وما إذا كان هذا التعيين سيفتح باباً لتحسين العلاقات المالية الخارجية أو سيبقى ضمن حدود التغيير الإداري الداخلي فقط.

