هند حليفة
تتجاوز أزمة “شام كاش” في سوريا حدود تعطل تطبيق للدفع الإلكتروني أو صعوبة مؤقتة في سحب الأموال، لتكشف عن مشكلة أوسع تتعلق بشح السيولة وضعف قدرة النظام المالي على تلبية احتياجات المواطنين.
وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت شكاوى المستخدمين من صعوبة تحويل الأرصدة الموجودة في التطبيق إلى نقد، فيما تزايدت الشكاوى من امتناع شركات الصرافة في دمشق ومناطق أخرى عن صرف أرصدة “شام كاش”، أو فرض عمولات مرتفعة على عمليات السحب.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه أزمة النقد الفعلي تضغط على الاقتصاد السوري وتحد من قدرة الأسر والتجار على الوصول إلى أموالهم.
أزمة السيولة ليست مجرد نقص
يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم، أن ما يجري لا يمكن اعتباره أزمة عابرة، بل نتيجة تراكم اختلالات في إدارة السياسة النقدية والمالية والمصرفية.
ويضع الكريم، وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، عملية استبدال العملة، وضعف القطاع المصرفي، ونقص الخبرات والكوادر، إلى جانب ما يصفه بتراجع استقلالية المصرف المركزي، ضمن العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد النقدي.

وتشير المؤشرات الدولية أيضاً إلى وجود مشكلة سيولة فعلية، فقد أشار البنك الدولي إلى أن نقص السيولة في سوريا ارتبط بقيود على السحب، وتعليق أو محدودية خدمات الدفع الإلكتروني وتأخر بعض المدفوعات الحكومية، بما قيد النشاط الاقتصادي وأبقى المواطنين أمام طوابير طويلة للحصول على مبالغ نقدية محدودة.
كما أشار البنك إلى أن عدداً من السوريين فضلوا الاحتفاظ بمدخراتهم خارج النظام المصرفي، الأمر الذي يزيد بدوره من صعوبة إعادة الأموال إلى الدورة الاقتصادية.
ولم تكن المشكلة محصورة في نقص النقد المتداول، فقد اضطر مصرف سوريا المركزي إلى التأكيد على المصارف أهمية إدارة السيولة بصورة تضمن تلبية أكبر عدد ممكن من طلبات السحب، مع إعطاء الأولوية لرواتب المواطنين والتوزيع العادل للسيولة، في مؤشر على أن الاختناق النقدي أصبح مسألة تشغيلية تتطلب تدخلاً مباشراً من السلطة النقدية.
استبدال العملة يختبر قدرة المصارف
في هذا السياق، يربط الكريم جانباً من الأزمة بعملية استبدال العملة التي رافقت الانتقال إلى الإصدار النقدي الجديد، وبغض النظر عن تقييم أهداف العملية، فإن استبدال كتلة نقدية واسعة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النقد يتطلب شبكة مصرفية قادرة على استقبال الأوراق القديمة وإصدار الجديدة بوتيرة متوازنة، وأي اختلال في هذه السلسلة يمكن أن يحول عملية فنية إلى أزمة سيولة محلية، تختلف حدتها من منطقة إلى أخرى.
لكن المشكلة الأعمق، وفق الكريم، تكمن في أن السيولة لا يمكن فصلها عن بقية مكونات السياسة الاقتصادية، فالنقد المتداول يرتبط بسعر الصرف، والائتمان، وحركة الاستيراد والتصدير، والإنفاق الحكومي، واحتياطيات المصارف، وثقة المواطنين بالمؤسسات المالية.
ويؤكد أن لذلك فإن معالجة نقص الأوراق النقدية من دون إصلاح القنوات التي تتحرك عبرها الأموال قد تؤدي إلى تخفيف العرض الظاهر للمشكلة من دون معالجة جذورها.
وهنا يدخل “شام كاش” إلى قلب الأزمة، فتحول التطبيق خلال المرحلة الانتقالية إلى قناة رئيسية لصرف رواتب ومستحقات حكومية، في وقت تعاني فيه المصارف من ضعف قدرتها على توفير النقد، ليصبح بذلك التطبيق، الذي كان يفترض أن يمثل حلاً لتقليل الاعتماد على الأوراق النقدية، جزءاً من البنية التي يعتمد عليها المواطن للوصول إلى أمواله.
من الراتب الرقمي إلى أزمة السحب
لم يخلُ استخدام “شام كاش” من مشكلات تتعلق بالسحب والعمولات وآليات تصريف الأرصدة، حيث تزايدت الشكاوى من صعوبات واجهها مزارعون في الحصول على مستحقاتهم، كما أظهرت شكاوى أخرى أن بعض مستخدمي التطبيق واجهوا صعوبة في تحويل الأرصدة إلى نقد أو اضطروا للتعامل مع الصرافين بشروط وعمولات متفاوتة.
ويقول الباحث الاقتصادي محمد علبي، إن هذه التطورات تضع المواطنين أمام مشكلة مختلفة عن مجرد تعطل تطبيق إلكتروني، فحين يصبح الراتب أو المستحق المالي موجوداً في محفظة رقمية، لكن صاحبه غير قادر على استخدامه أو تحويله إلى نقد، فإن العائق ينتقل من النظام النقدي التقليدي إلى النظام الرقمي من دون أن تختفي المشكلة الأصلية.

وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق بمستحقات الفئات التي تعتمد على السيولة اليومية، مثل الموظفين والمزارعين وأصحاب الأعمال الصغيرة، فقد أظهرت تقارير عن موسم القمح أن اعتماد “شام كاش” في صرف المستحقات أثار اعتراضات، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني ضعف البنية التحتية الرقمية، كما واجه معلمون في حلب صعوبات في سحب رواتبهم عبر التطبيق، مع شكاوى من رفض بعض مكاتب الصرافة تصريف الأرصدة أو فرض شروط وعمولات مرتفعة.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو الصورة واضحة تماماً، فقد أعلنت “شام كاش” في تموز/ يوليو عن تطبيق ضوابط ومعايير تنظيمية جديدة على عدد من خدماتها بالتنسيق مع مصرف سوريا المركزي، في خطوة قالت إنها تستهدف تعزيز الامتثال والحوكمة وتحسين جودة الخدمات، كما أفادت تقارير بأن التطبيق يتجه إلى مزيد من الارتباط بالمصارف ورفع مستوى الشفافية في العمولات والخدمات.
المشكلة في النظام المالي لا في التطبيق وحده
تكشف هذه الخطوة عن أحد أهم جوانب الأزمة، فسوريا لا تواجه فقط نقصاً في السيولة، وإنما مرحلة انتقالية في شكل النظام المالي نفسه، فالدفع الإلكتروني يمكن أن يساعد في تجاوز مشكلة نقص الأوراق النقدية، لكنه لا يستطيع وحده تعويض غياب نظام مصرفي قوي، ولا يمكن لمحفظة إلكترونية أن تحل محل الثقة التي يفترض أن توفرها المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة.
وهذا تحديداً ما يلفت إليه صندوق النقد الدولي، ففي شباط/فبراير 2026، دعا الصندوق إلى تمكين مصرف سوريا المركزي وضمان استقلاليته، وإجراء تقييم شامل للوضع المالي للمصارف، وإعادة هيكلة وتأهيل النظام المصرفي، مؤكداً أن إصلاح هذه المنظومة ضروري لاستعادة ثقة الجمهور وتمكين المصارف من أداء دورها في الوساطة المالية وتسهيل المدفوعات.
كما يعمل الصندوق مع السلطات السورية على إصلاح أنظمة المدفوعات والمصارف وتعزيز الرقابة المصرفية وتطوير إطار للسياسة النقدية، وهي ملفات تشير إلى أن أزمة السيولة الحالية ترتبط بمشكلة مؤسسية أوسع من مجرد نقص النقد.
ويرى الكريم أن استمرار ارتفاع الأسعار، وبطء التجارة الخارجية، والقيود على الاستيراد، وضعف حركة رأس المال، يمكن أن تدفع جزءاً من السيولة المتاحة بعيداً عن الإنتاج نحو العقارات أو العملات الأجنبية أو المضاربة والتحوط، وفي هذه الحالة، لا يكون السؤال كم من الأموال موجود في الاقتصاد، وإنما كم منها يتحرك فعلياً، وبأي سرعة، ومن خلال أي قنوات.
وهذه النقطة مهمة لفهم ما يحدث في “شام كاش”، فإذا كان التطبيق يستقبل الرواتب والتحويلات، لكن المستفيد لا يستطيع تحويل رصيده إلى نقد بسهولة، فإن المشكلة لا تكون في الرصيد الرقمي نفسه، بل في الحلقة التي تربط النقود الإلكترونية بالنقد الفعلي، وكلما ضعفت هذه الحلقة، ظهرت سوق موازية لخدمات التصريف، وارتفعت قدرة الوسطاء على فرض عمولات أو شروط على أصحاب الأموال.
لذلك فإن أزمة “شام كاش” لا تبدو منفصلة عن أزمة السيولة السورية، بل إحدى صورها الجديدة، فالمواطن الذي كان ينتظر دوره أمام المصرف للحصول على أمواله بات، في بعض الحالات، ينتظر أمام مكتب صرافة لتسييل رصيده الإلكتروني، تغيرت الأداة، لكن الاختناق نفسه بقي قائماً.
المصدر :الحل ؟

