الرئيسية » الدفع الإلكتروني في سوريا.. إنقاذ للسيولة أم بداية لتحجيم “شام كاش”؟

الدفع الإلكتروني في سوريا.. إنقاذ للسيولة أم بداية لتحجيم “شام كاش”؟

بواسطة Younes

هند خليفة

لم يكن إعلان مصرف سوريا المركزي اعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني في سوريا مجرد خطوة تقنية لإتاحة وسيلة جديدة للدفع، بل جاء في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى النظام المالي السوري، بعد انتهاء المرحلة الأساسية من استبدال العملة، وفي ظل سعي السلطات إلى إعادة بناء القطاع المصرفي وفتح قنوات اتصال جديدة مع النظام المالي العالمي.

وبينما تقدم الحكومة الخطوة باعتبارها جزءاً من مشروع لتحديث المدفوعات وتعزيز الشمول المالي، تطرح الخطوة أسئلة أعمق حول جاهزية المصارف السورية لاستيعاب التحول الرقمي، وحول مستقبل المنصات القائمة، وفي مقدمتها “شام كاش”، التي أصبحت خلال فترة قصيرة لاعباً واسع الانتشار في حركة الأموال داخل البلاد.

قرار جديد.. وأسئلة أكبر

أعلن مصرف سوريا المركزي صدور القرار رقم 1124 عن “الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية”، أمس الثلاثاء، المتضمن اعتماد نظام الدفع والتحويل الإلكتروني في سوريا.

 وقال المصرف إن النظام يهدف إلى توسيع خيارات الدفع والتحويل، وتنظيم خدمات الدفع والنقود الإلكترونية، وبناء منظومة دفع وطنية حديثة تربط المؤسسات والجهات المالية، مع فتح المجال أمام المنافسة والاستثمار والابتكار في القطاع، مؤكداً في المقابل أن النظام لا يلغي التعامل النقدي ولا يفرض على المواطنين وسيلة دفع محددة.

وبحسب الرواية الرسمية، ينظم النظام ثلاث فئات رئيسية من الجهات، مقدمي خدمات الدفع، ومقدمي خدمات النقود الإلكترونية، ومشغلي أنظمة الدفع، مع فرض متطلبات تتعلق بالحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني وحماية المستخدمين.

كما يطمح، على المدى الطويل، إلى تمكين البنية المالية السورية من الارتباط بمنظومات الدفع الإقليمية والدولية، وإن كان المصرف شدد على أن اعتماد النظام لا يعني بدء التحويلات المالية الدولية بصورة فورية.

لماذا الآن؟

لكن أهمية القرار لا تكمن فقط في ما يقوله النص الرسمي، وإنما في توقيته، فقبل أقل من ثلاثة أسابيع كانت سوريا قد أغلقت المهلة الأساسية لاستبدال الأوراق النقدية القديمة في 30 تموز/ يوليو، على أن تفقد تلك الأوراق قوتها الإبرائية اعتباراً من اليوم التالي.

يظهر القرار الجديد، في هذا السياق، كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والنقد والقطاع المصرفي، وإن كان لا توجد وثيقة رسمية تربط مباشرة بين استبدال العملة واعتماد نظام الدفع الإلكتروني.

في السياق، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن المسألة تحتاج إلى قراءة تتجاوز الجانب التقني، فبرأيه، الدفع الإلكتروني قد يساعد في تخفيف الطلب على الأوراق النقدية، لكنه لا يعالج بمفرده أزمة السيولة، لأن السيولة ليست مجرد كمية الأموال الموجودة في جيوب المواطنين، وإنما ترتبط أيضاً بالودائع المصرفية، وقدرة المصارف على إعادة ضخ الأموال في الاقتصاد، وحجم الائتمان، والثقة بالمؤسسات المالية، وقدرة النظام المصرفي على تنفيذ المقاصة والتسوية بين مختلف أطراف السوق.

وبمعنى آخر، فإن تحويل عملية الدفع من ورقة نقدية إلى رصيد إلكتروني لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد حصل على سيولة إضافية، فإذا كان الخلل في قدرة المصارف على توفير النقد أو العملات الأجنبية، أو في ثقة المواطنين بإيداع أموالهم، أو في قدرة النظام المصرفي على إعادة توظيف الودائع، فإن تغيير وسيلة الدفع لن يعالج جذور المشكلة.

ما وراء شاشة الهاتف

يشير الكريم، وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في البنية التي يفترض أن تعمل خلف شاشة الهاتف أو جهاز نقاط البيع، فكل عملية دفع إلكتروني تحتاج إلى شبكة من الأنظمة التي تتولى التحقق من العملية، وتسجيلها، وتسوية حقوق الأطراف، وتحويل الأموال بين المؤسسات المالية، ومعالجة الأخطاء والاعتراضات، مؤكداً أن نجاح النظام لا يقاس بعدد التطبيقات والمحافظ الإلكترونية فقط، وإنما بمدى كفاءة المقاصة والتسوية والربط بين المصارف ومقدمي خدمات الدفع.

ولا تزال عملية إعادة بناء القطاع المصرفي بسوريا في بداياتها، فيما يحاول المصرف المركزي في الوقت نفسه استعادة العلاقات مع المؤسسات المالية العالمية.

 وكان المركزي قد أصدر في أيار/ مايو القرار رقم 259، الذي يسمح للمؤسسات المالية المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة والعاملة في سوريا بالتعامل مع أنظمة شركات الدفع الإلكتروني العالمية مثل “فيزا” و”ماستركارد”.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع بدأ قبل ذلك، مع توقيع مصرف سوريا المركزي مذكرة تفاهم مع “ماستركارد” لتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، ثم التحرك باتجاه إدخال شبكات الدفع العالمية إلى السوق السورية، وبالتالي، فإن نظام الدفع الجديد لا يبدو قراراً منفرداً، بل حلقة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل القطاع المالي السوري وفتح الباب أمام أنماط جديدة من الخدمات المصرفية والمدفوعات.

“شام كاش”.. اللاعب الذي لا يمكن تجاهله

لكن في قلب هذا التحول يوجد لاعب محلي يصعب تجاهله وهو “شام كاش”، ذلك التطبيق الذي لم يعد مجرد محفظة إلكترونية محدودة الاستخدام، ففي أيار، أعلن مدير التسويق والعلاقات العامة في “شام كاش” محمد بسيكي أن عدد مستخدمي التطبيق تجاوز 4.2 ملايين مستخدم، مع تنفيذ نحو مليوني عملية تحويل يومياً، إلى جانب استخدامه في التحويلات المالية والدفع الإلكتروني وتسديد الفواتير والرسوم الحكومية وخدمات مرتبطة بجوازات السفر والفعاليات التجارية والفنادق والمطاعم ومحطات الوقود والأسواق.

وتعني هذه الأرقام، أن “شام كاش” أصبح بالفعل جزءاً من البنية اليومية لحركة الأموال في سوريا، وليس مشروعاً يمكن تجاوزه عند تصميم نظام دفع وطني جديد.

مدير التسويق والعلاقات العامة في “شام كاش” محمد بسيكي أن عدد مستخدمي التطبيق تجاوز 4.2 ملايين مستخدم، مع تنفيذ نحو مليوني عملية تحويل يومياً

  • شام كاش- إنترنت

بل إن توسع التطبيق لم يتوقف عند التحويلات بين الأفراد، إذ ارتبطت خدماته خلال العام الحالي بعدد من الخدمات العامة، كما توسعت عمليات استخدامه في دفع الفواتير والرسوم والخدمات المختلفة،  حيث أصبح جزءاً من التعاملات المالية اليومية لعدد واسع من السوريين.

ولم توضح الرواية الرسمية حتى الآن مصير “شام كاش” في النظام الجديد، وما إذا كان سيكون أحد مقدمي خدمات الدفع الذين سيعملون وفق الإطار التنظيمي الجديد، وهل سيخضع لشروط ترخيص ورقابة جديدة؟ وهل ستفتح المنظومة الباب أمام منافسين جدد يستطيعون الوصول إلى السوق نفسها؟ أم أن الدولة تتجه إلى بناء منظومة مركزية جديدة تتراجع داخلها أهمية المنصات القائمة؟.

استهداف أم إعادة تنظيم؟

لا توجد، حتى الآن، معلومات رسمية تسمح بالقول إن القرار يستهدف “شام كاش” أو يهدف إلى إقصائه، لكن مجرد وجود نظام جديد ينظم سوق مقدمي خدمات الدفع، بالتزامن مع وجود منصة لديها ملايين المستخدمين، يجعل إعادة توزيع سوق المدفوعات أحد الأسئلة الأساسية التي يجب أن يجيب عنها القرار.

واللافت أن “شام كاش” نفسها كانت قد أعلنت في حزيران/ يونيو استعدادها التقني لتوسيع منظومة الدفع الإلكتروني لتشمل الجهات العامة والخاصة، مؤكدة نمو عمليات تسديد الفواتير عبر التطبيق، إلى جانب تطوير الربط مع القطاع المصرفي والمتاجر.

لا تتعلق المسألة فقط بمن سيدفع إلكترونياً، بل من سيمتلك البنية التي تمر عبرها هذه المدفوعات، ومن سيحصل على حصة أكبر من السوق الجديدة؟ ومن سيتولى إدارة البيانات الناتجة عن ملايين المعاملات اليومية؟.

ويحيط الغموض أيضاً الجهة التي أصدرت القرار، فمصرف سوريا المركزي أعلن أن القرار رقم 1124 صدر عن “الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية”، ورغم أن القرار يتعلق بتنظيم قطاع مالي ومصرفي شديد الحساسية، فإن ذلك يطرح سؤالاً حول طبيعة الدور الذي لعبه المركزي في صياغته، وكيف ستتوزع الصلاحيات بينه وبين الجهات التنفيذية الأخرى في إدارة منظومة الدفع الجديدة.

أين تقف استقلالية المركزي؟

لا يتعلق السؤال بالشكل الإداري للقرار فقط، بل بجوهر استقلالية السياسة النقدية، فكلما توسعت الدولة في تنظيم المدفوعات الإلكترونية، أصبحت الحاجة أكبر إلى تحديد الجهة المسؤولة عن الرقابة، ومنح التراخيص، وحماية المستخدمين، ومعالجة النزاعات، ومراقبة مخاطر السيولة والأمن السيبراني.

ومن الناحية الاقتصادية، قد يحمل التحول الإلكتروني فوائد حقيقية لسوريا، فهو قادر على تقليل تكاليف تداول النقد، وتسريع التحويلات، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، وتعزيز التجارة الإلكترونية، وتحسين قدرة المؤسسات على تتبع التدفقات المالية، كما يمكن أن يشكل، إذا نُفذ بصورة سليمة، خطوة مهمة نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي الإقليمي والدولي.

مصرف سوريا المركزي- إنترنت

لكن نجاح التجربة لا يتوقف على إطلاق النظام، وإنما على ما يوجد خلفه، فكل عملية دفع إلكتروني تحتاج إلى منظومة متكاملة للتحقق والمقاصة والتسوية والحماية والرقابة، وكلما ازداد الاعتماد على الدفع الرقمي، أصبح أي خلل تقني أو أمني أكثر تأثيراً في المواطنين والتجار والاقتصاد ككل.

ولهذا يرى الكريم أن الخطر يكمن في التعامل مع الدفع الإلكتروني باعتباره علاجاً مباشراً لأزمة السيولة، مشيراً إلى أن الأزمة النقدية لا تنتج فقط من كثرة استخدام الأوراق النقدية، وإنما ترتبط بعوامل أعمق تشمل الثقة بالمصارف، وحجم الودائع، وقدرة المصارف على منح الائتمان، والسياسة النقدية، وحركة الأموال داخل الاقتصاد.

تغيير الوسيلة لا يحل الأزمة

يؤكد الكريم أن تحويل الأموال من “الكاش” إلى المحافظ والحسابات الإلكترونية قد يخفف الضغط على النقد المتداول، لكنه لا يعالج بالضرورة ضعف الجهاز المصرفي أو نقص العملات الأجنبية أو مشكلات التسوية والمقاصة.

في النهاية، يقف نظام الدفع الإلكتروني أمام اختبار أكبر من مجرد تحديث وسيلة الدفع، فإذا نجحت السلطات في بناء منظومة مفتوحة وآمنة وتنافسية، فقد يصبح القرار إحدى أدوات إعادة بناء القطاع المالي السوري، أما إذا جرى إدخال النظام إلى سوق لا تزال تعاني ضعف البنية المصرفية والتشريعية والتقنية، فقد تتحول الرقمنة إلى طبقة جديدة فوق مشكلات لم تُحل.

وبينما تبدو “شام كاش” أمام مرحلة اختبار جديدة، يبقى السؤال الأهم الذي ستكشفه الأشهر المقبلة، هل يأتي نظام الدفع الإلكتروني لإنقاذ الاقتصاد السوري من أزمة السيولة، أم أنه يمثل بداية إعادة توزيع سوق المدفوعات بين لاعبين جدد وقدامى؟، والأهم من ذلك هل ستكون “شام كاش” جزءاً من هذه المنظومة الجديدة، أم أن سوريا تستعد فعلاً لإعادة رسم خريطة الأموال الرقمية بالكامل؟.

المصدر :الحل

مقالات ذات صلة