محمد كساح
رغم التحسن المحدود الذي طاول الليرة السورية خلال الأيام الماضية، إلا أن قيمتها لا تزال غير مستقرة في ظل زيادة الطلب على القطع الأجنبي وعدم توفر مقومات ارتفاع العملة الوطنية. وفي هذا الصدد، يعتقد المراقبون الاقتصاديون أن أي تحسن تشهده الليرة السورية يبقى تحسنًا مؤقتًا، يرتبط بالأثر النفسي الناتج عن تصريحات مصرف سوريا المركزي والحكومة التي تروّج لوجود دعم خارجي من جهة، وبتوقعات الأسواق بوصول هذا الدعم من جهة أخرى.
ويتفق المراقبون على أن العملة تحتاج إلى قاعدة إنتاجية، وتدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وثقة بالمؤسسات، وسياسة مالية ونقدية منضبطة، وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح أي تحسن مؤقت في سعر الصرف هشًا وقابلًا للانهيار، فضلًا عن أنه لا توجد سلطة نقدية في العالم تستطيع تثبيت سعر صرف عملتها على المدى الطويل إذا كانت القاعدة الإنتاجية تتآكل، وإذا كان الاقتصاد يتحول إلى اقتصاد ريعي واستهلاكي.
خلل كبير في السياسة النقدية
لاحظ الباحث الاقتصادي ومدير منصة “اقتصادي”، يونس الكريم، في حديثه ، وجود خلل واضح في السياسات النقدية الحكومية، يتمثل في تصريحات مصرف سوريا المركزي، التي باتت تركز على سعر الصرف بوصفه مؤشرًا رئيسيًا للأداء الاقتصادي، بدلًا من التركيز على معالجة الاختلالات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد.
ويؤكد الكريم أن أي تحسن تشهده الليرة السورية يبقى تحسنًا مؤقتًا، يرتبط بالترويج لوجود دعم خارجي من جهة، وبتوقعات الأسواق بوصول هذا الدعم من جهة أخرى؛ إلا أن هذا الدعم، الذي كان يُفترض أن يكون مستدامًا لا ظرفيًا، لم يتحول حتى الآن إلى تدفقات تمويلية كبيرة قادرة على إطلاق عملية إعادة الإعمار أو تحفيز الاقتصاد الحقيقي، الأمر الذي جعل التحسن في سعر الصرف يفتقر إلى الأسس الاقتصادية الكفيلة بضمان استدامته.
أي تحسن تشهده الليرة السورية يبقى تحسنًا مؤقتًا، يرتبط بالترويج لوجود دعم خارجي من جهة، وبتوقعات الأسواق بوصول هذا الدعم من جهة أخرى
ولفت الكريم إلى أن من أبرز الأخطاء في سياسات البنك المركزي التوسع في الاحتفاظ بالدولار ضمن الاحتياطيات أو خارج التداول، الأمر الذي أسهم في زيادة الطلب على القطع الأجنبي وتقليص الكميات المتاحة في السوق. وأضاف أن هذا الخلل تفاقم نتيجة ضعف القدرة الإنتاجية وتراجع حركة التصدير، بالتزامن مع انخفاض ملموس في تدفقات الحوالات الخارجية، ما أدى إلى تراجع عرض العملات الأجنبية وزيادة الضغوط على سوق الصرف.
من جانب آخر، يستبعد الكريم أن تكون الحكومة تتبع حاليًا سياسة التمويل بالعجز عبر طباعة النقد، أو أنها أعلنت عن إصدار أدوات دين مثل السندات أو أذونات الخزينة، مرجعًا ذلك إلى محدودية القدرة على تغطية كلفة الإصدار النقدي، فضلًا عن غياب مؤشرات على ضخ كميات كبيرة من الليرة السورية الجديدة في السوق، مشيرًا إلى أن ضعف السيولة المتداولة من العملة المحلية لا يدعم فرضية اللجوء إلى هذا الخيار في المرحلة الراهنة.
لكن الكريم يلاحظ أن الحكومة، وإن كانت لا تلجأ إلى التمويل بالعجز عبر طباعة العملة أو عبر أدوات الدين التقليدية، فإنها تعتمد عمليًا نمطًا تمويليًا بديلًا لتمويل العجز في الموازنة، ويتمثل هذا النمط في تقليص دور الدولة الاقتصادي تدريجيًا، مقابل توسيع الاعتماد على الرسوم والضرائب كمصدر أساسي للإيرادات العامة، بما يعكس انتقال العبء المالي نحو المجتمع بدلًا من توسع الإنفاق العام أو اللجوء إلى التمويل النقدي.
أسعار صرف متباينة
وحول انعكاسات الفارق بين أسعار الصرف الرسمية والسوقية، يوضح الكريم أن الواقع النقدي يشهد تعددًا في مستويات التسعير، أبرزها السعر الرسمي الذي بات ذا طابع تأشيري أكثر منه عملي، إذ لا يُعتمد عليه فعليًا سواء في السياسات المالية الحكومية أو تعاملات المواطنين، وإن كان يُستخدم لتحديد الحد الأدنى لتسعير الخدمات.
وأضاف الباحث الكريم أن هناك أيضًا سعر صرف خاص بالحوالات الخارجية، يقوم على شراء الحوالات الواردة من الخارج، وتديره شركات الصرافة التي تستفيد من فروقات سعر الصرف الكبيرة لتحقيق أرباح ملحوظة؛ كما يظهر سعر ثالث مرتبط بتسعير المحروقات، وسعر رابع مرتبط بالسلع المستوردة، حيث تُسعّر هذه السلع وفقًا للدولار نظرًا لتسديد قيمتها بالعملة الأجنبية.
ويرى الكريم، في ختام حديثه ، أن هذا التعدد في أسعار الصرف يعكس حالة من الاضطراب في السياسة النقدية وغياب الاستقرار، ما يدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى اعتماد الدولار في تسعير وإغلاق حساباتهم اليومية، في حين يميل الأفراد إلى الادخار بالعملة الأجنبية بدلًا من العملة المحلية.
تبدد مكاسب الليرة
من جانبه، يؤكد الباحث الاقتصادي محمد علبي أن قسمًا كبيرًا من المكاسب التي حققتها الليرة بعد سقوط نظام الأسد قد تبددت في ظل حالة الانخفاض التي شهدتها الليرة في الأشهر الماضية. وأضاف أن معظم المكاسب كانت مرتبطة بحبس وتجفيف السيولة، وتحسن التوقعات، أي أنها ليست مكاسب ناتجة عن تحسن حقيقي في بنية الاقتصاد أو ميزان المدفوعات أو الإنتاج أو الصادرات، لذلك، ومع عودة العوامل الأساسية للضغط على العملة، بدأت هذه المكاسب تتبدد تدريجيًا.
مشكلة التوجه الاقتصادي نفسه أنه لم يتغير، فما زال البحث جاريًا عن الريع والجباية والتحويلات والمضاربة وتوطيد العلاقة بين النفوذ السياسي والفواعل الاقتصادية المنتفعة
وحول التحسن الذي شهدته الليرة مؤخرًا، لفت علبي إلى أن العملة تحتاج إلى قاعدة إنتاجية، وتدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وثقة بالمؤسسات، وسياسة مالية ونقدية منضبطة، وعندما تغيب هذه العناصر، يصبح أي تحسن مؤقت في سعر الصرف هشًا وقابلًا للانهيار. أما فيما يخص الانكسارات التي تعرضت لها الليرة، فيوضح أن زيادة الطلب على الدولار أحد الأسباب، لكنه ليس السبب الوحيد، بل هناك طلب واسع على الدولار لأغراض الاستيراد والادخار والتحوط والهروب من الليرة، وهذا طبيعي في اقتصاد فقد الناس فيه الثقة بالعملة المحلية.
مؤشرات على التمويل بالعجز
لكن العامل الأخطر، وفقًا للعلبي، هو وجود مؤشرات واضحة على التمويل بالعجز، أي تمويل الإنفاق العام من دون موارد حقيقية كافية، فالمالية رغم تصريحاتها التطمينية، لم تقدم حتى اللحظة موازنة 2026 كاملةً، وإنما قدمت ملخصًا، ولذلك تزداد التوقعات بأن التمويل للموازنة ليس متوفرًا من مصادر حقيقية، وعندما تتوسع الحكومة في الإنفاق من دون إنتاج، ومن دون إيرادات مستقرة، أو قدرة فعلية على جذب التمويل الخارجي، تصبح النتيجة الطبيعية زيادة في الكتلة النقدية، ومزيدًا من التضخم، ومزيدًا من الضغط على سعر الصرف.
ويرى الباحث علبي أن مشكلة التوجه الاقتصادي نفسه أنه لم يتغير، فما زال البحث جاريًا عن الريع والجباية والتحويلات والمضاربة وتوطيد العلاقة بين النفوذ السياسي والفواعل الاقتصادية المنتفعة، مقابل إهمال الإنتاج الحقيقي، وتراجع الصناعة والزراعة، وغياب استراتيجية جدية لزيادة الصادرات أو خلق قيمة مضافة.
توقعات بتوسع سوق الحوالات العائمة
يرى الباحث علبي أنه عندما يجتمع التمويل بالعجز مع الاقتصاد الريعي، وتآكل الإنتاج واتساع فجوة أسعار الصرف وتراجع الثقة بالقنوات الرسمية، تكون النتيجة الطبيعية مزيدًا من الدولرة، ومزيدًا من التضخم والضغط على الليرة، بالإضافة إلى المزيد من الإفقار للسوريين.
ويرجح علبي، في ختام حديثه، أننا سنشهد مزيدًا من توجه الأفراد والفاعلين الاقتصاديين نحو سوق الحوالات العائمة، مؤكدًا أن تداعيات ذلك ستكون خطيرة، فهي تفقد الدولة والمصرف المركزي القدرة على تتبع جزء مهم من تدفقات النقد الأجنبي، وبسببها تتراجع قدرة الشبكة المصرفية على استقطاب الحوالات والمدخرات، فتصبح السوق المالية أكثر فوضوية، ويزداد نفوذ الصرافين والوسطاء والشبكات غير النظامية؛ وهذا هو الوضع القائم حاليًا.
المصدرر : الترا سوريا.

