هند خليفة
لم يكن انتقال سوريا إلى العملة الجديدة في مطلع العام الجاري مجرد عملية استبدال للأوراق النقدية القديمة بأخرى تحمل فئات جديدة، بل تحول إلى اختبار واسع لقدرة السياسة النقدية على إدارة تغيير نقدي بهذا الحجم، وخصوصاً في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الثقة بالعملة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع التعاملات النقدية خارج القنوات المصرفية.
ومنذ بدء العملية في الأول من كانون الثاني/يناير، اضطر مصرف سوريا المركزي إلى تعديل المهلة المحددة للاستبدال ثلاث مرات، قبل أن ينتقل بعد انتهاء الموعد الأخير إلى مرحلة جديدة لسحب ما تبقى من العملة القديمة، وهي المرحلة التي شهدت بدورها تعديلات متلاحقة في طريقة التنفيذ ومراكز الخدمة.
من 90 يوماً إلى أول تمديد
كانت البداية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، عندما أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع المرسوم رقم 293 المتعلق بإطلاق العملة السورية الجديدة، على أن يبدأ سحب العملة القديمة من التداول اعتباراً من الأول من كانون الثاني 2026.
ونص المرسوم على حذف صفرين من القيمة الاسمية، بحيث تعادل كل 100 ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة، مع استمرار العملتين في التداول خلال الفترة المحددة للاستبدال وتمتعهما بالقوة الإبرائية نفسها.

وفي 29 من الشهر ذاته، حدد مصرف سوريا المركزي في تعليماته التنفيذية مدة الاستبدال بـ90 يوماً قابلة للتمديد، على أن تبدأ العملية في الأول من كانون الثاني، وكان يفترض، وفق هذا الجدول، أن تنتهي المهلة الأولى في نهاية آذار/ مارس، مع بقاء إمكانية تمديدها بقرار من المصرف قبل انتهاء المدة، كما حدد المركزي منذ البداية الجهات المعتمدة لتنفيذ العملية، والتي شملت المؤسسات المالية المرخصة والخاضعة لرقابته.
ولم يصمد الموعد الأول حتى نهايته، ففي الثاني من آذار، أعلن المصرف تمديد المهلة 60 يوماً إضافية تبدأ في الأول من نيسان/ أبريل، لتنتقل نهاية الاستبدال من نهاية آذار إلى 31 أيارمايو، ولم يقتصر القرار على التمديد، بل شمل أيضاً إدخال فئات نقدية جديدة ضمن عملية الاستبدال، بما يعكس أن العملية لم تكن قد اكتملت وفق الجدول الأصلي.
تمديد ثانٍ وثالث.. والموعد يتغير مجدداً
بعد شهرين، جاء التغيير الثاني، ففي الأول من أيار، أعلن المركزي تمديد فترة الاستبدال 30 يوماً إضافياً، من الأول وحتى 30 حزيران/ يونيو، مبرراً القرار بإتاحة فرصة أكبر للمواطنين لإتمام العملية بسهولة ومرونة، ليصبح بذلك الموعد الذي كان مقرراً له أن ينتهي في آذار ممتداً إلى نهاية حزيران، أي بإضافة ثلاثة أشهر تقريباً إلى الجدول الأصلي.
لكن حتى هذا الموعد لم يكن نهائياً، ففي 31 أيار، قرر المصرف تمديد الاستبدال للمرة الثالثة لمدة 30 يوماً أخرى اعتباراً من الأول من تموز/ يوليو، لتنتهي المهلة في 31 من الشهر.
وفي ذلك الوقت أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان أن نسبة الاستبدال تجاوزت 63 بالمئة على مستوى البلاد، وقدم التمديد باعتباره فرصة أخيرة أمام من لم يتمكنوا من إتمام العملية، وهكذا تغير الموعد النهائي ثلاث مرات، من نهاية آذار إلى نهاية أيار، ثم إلى نهاية حزيران، وأخيراً إلى نهاية تموز.
انتهاء الاستبدال لا يعني انتهاء السحب
غير أن انتهاء فترة الاستبدال في 30 تموز لم يكن يعني إغلاق الباب أمام حاملي الأوراق القديمة، فقد أكد المركزي في حزيران أن انتهاء فترة التعايش والاستبدال لا يسقط حق المواطنين في تسليم العملة القديمة واستلام ما يعادلها من العملة الجديدة، ضمن ما سماه “فترة السحب” التي تمتد خمس سنوات، وبحسب المصرف، فقد ظلت العملة القديمة تتمتع بقوتها الإبرائية حتى نهاية 30 تموز، لتفقد هذه الصفة اعتباراً من اليوم التالي.
لكن الانتقال إلى مرحلة السحب كشف أن المشكلة لم تكن مرتبطة بالمدة وحدها، وإنما بقدرة البنية التنفيذية على استيعاب العملية، ففي 26 تموز، أعلن المركزي أن سحب الأوراق القديمة سيبدأ في 31 تموز ويستمر خمس سنوات، على أن ينفذ حصرياً عبر المصرف المركزي في دمشق، مع اشتراط ألا يقل عدد الأوراق المقدمة عن 100 ورقة من الفئة نفسها، وبعد التدقيق تحول القيمة المستحقة إلى حساب مصرفي بالعملة الجديدة.

غير أن هذه الآلية سرعان ما تغيرت، فبعد انتهاء مهلة الاستبدال، أتاح المركزي في بداية آب/ أغسطس عمليات سحب للعملة القديمة عبر المصارف وفروع المؤسسة السورية للبريد، قبل أن يركز لاحقاً على معالجة صعوبات المحافظات الشرقية.
ومع تصاعد الشكاوى من الازدحام ومحدودية المنافذ ونقص العملة الجديدة في بعض المناطق، اتجه المصرف إلى تمديد السحب في الحسكة والرقة ودير الزور، ثم وسع نطاقه، أمس الأحد، ليشمل منافذ المؤسسة السورية للبريد في جميع المحافظات لمدة خمس سنوات، وبذلك لم يعد المواطن مضطراً إلى مراجعة المركزي في دمشق لاسترداد قيمة ما لديه من العملة القديمة، وفق الآلية الجديدة التي أعلنها المصرف.
السؤال يتجاوز المواعيد
تثير هذه التحولات سؤالاً أوسع من مجرد عدد مرات تمديد المهلة، وهو لماذا لم تستطع الخطة الأولى استيعاب الواقع العملي للعملية؟، فعملية استبدال العملة ليست إجراءً محاسبياً فقط، بل عملية لوجستية ونقدية وأمنية واسعة، تحتاج إلى تقدير دقيق لحجم النقد المتداول، وتوزيع جغرافي لمراكز الخدمة، وتوفير مستمر للسيولة الجديدة، وآليات للتدقيق والتحقق ومراقبة التدفقات النقدية.
ويرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن المشكلة تتجاوز تعدد المواعيد إلى الطريقة التي تُصنع بها القرارات النقدية نفسها، ويقول إن “العبثية في التعامل مع مؤسسة يفترض أنها تشكل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الحر واقتصاد إعادة الإعمار” وصلت إلى حد التساؤل عما إذا كان المصرف المركزي يتحول إلى ما يشبه “كشك صرافة”، في إشارة إلى تعدد القرارات التنفيذية وتغيرها خلال فترة قصيرة.
ويعتبر الكريم وفق منشور له عبر منصة “فيسبوك”، أن الإشكال لا يكمن فقط في القرارات التي صدرت بشأن الاستبدال، وإنما في غياب رؤية واضحة ومستقرة لصناعة القرار النقدي، موضحاً أن القرارات التي تبدو وكأنها استجابة لضغط الشارع أو محاولة لاحتواء مشكلة آنية قد تؤدي في المدى الأبعد إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في إضعاف الثقة بالعملة وبالمؤسسة التي تديرها.
وبرأيه، فإن المواطن قد يستفيد من تمديد المهلة على المدى القصير، لكنه قد يدفع ثمن القرارات المرتجلة لاحقاً من خلال تراجع القوة الشرائية أو اضطراب السوق أو تآكل قيمة المدخرات.
البريد في واجهة المهمة النقدية
تزداد حساسية هذه المسألة مع انتقال تنفيذ السحب إلى منافذ البريد، فالكريم لا يعترض على مبدأ تقريب الخدمة من المواطنين، لكنه يرى أن توسيع شبكة التنفيذ يفرض في المقابل ضمان وجود أنظمة موحدة للتحقق من الهوية، وتوثيق العمليات، والتدقيق في مصدر الأموال، ورصد المعاملات غير الاعتيادية، فضلاً عن آليات دقيقة لفحص الأوراق النقدية، مؤكداً أن هذه المتطلبات تصبح أكثر أهمية في عملية ضخمة تستهدف إخراج نقد قديم من التداول وتحويل قيمته إلى نقد جديد.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن موظفي البريد غير قادرين على تنفيذ المهمة، لكن السؤال، وفق هذا الطرح، يتعلق بالمنظومة الرقابية والتقنية التي ستعمل خلف الموظف، ومن يملك صلاحية التدقيق النهائي والإبلاغ عن الحالات المشبوهة وضمان تطبيق قواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
الباحث الاقتصادي يونس الكريم
وقال إن المصرف المركزي نفسه ربط عملية الاستبدال بضوابط وإجراءات رقابية، ما يجعل نجاح نقل الخدمة إلى منافذ أوسع مرتبطاً بمدى قدرة هذه المنافذ على الالتزام بالمعايير ذاتها، لا بمجرد قدرتها على استقبال الأوراق وتسليم النقد.
ويضع الكريم هذه المسألة ضمن إشكالية أكبر تتعلق بطبيعة المصرف المركزي نفسه، معتبراً أن التعامل معه باعتباره مؤسسة إدارية عادية يمكن إعادة تنظيمها بالطريقة نفسها التي تعاد بها هيكلة أي جهة حكومية يتجاهل خصوصية وظيفته.
ويضيف أن المصرف المركزي ليس مجرد جهة تنفذ عمليات نقدية، بل المؤسسة التي يفترض أن تدير السياسة النقدية وتحافظ على استقرار النظام المالي وتستخدم أدواتها للتأثير في السيولة والائتمان وسعر الصرف والثقة بالعملة.
3 تمديدات تكشف اختبار الجاهزية
من هنا، فإن الدلالة الأهم للتمديدات الثلاثة ليست فقط أن عملية الاستبدال احتاجت إلى وقت أطول مما كان مخططاً له، بل أن الخطة الأصلية واجهت واقعاً أكثر تعقيداً مما سمح به الجدول الزمني الأول.
وبينما قد يكون التمديد إجراءً طبيعياً في عملية نقدية بهذا الحجم، فإن تكراره ثم تغيير آلية السحب بعد انتهاء المهلة يطرح أسئلة حول مستوى الجاهزية والتخطيط المسبق، خصوصاً أن المصرف كان قد أعلن منذ البداية أن مدة الاستبدال قابلة للتمديد.

أما التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة، فلا يتعلق بعدد السنوات الخمس بقدر ما يتعلق بما سيحدث خلالها، فإذا تمكن المركزي من تحويل عملية السحب إلى مسار منظم وشفاف، وتوحيد الإجراءات بين المحافظات، وتوفير السيولة الجديدة، وتشديد الرقابة على العمليات، فقد تتحول المرحلة الطويلة إلى أداة لامتصاص ما تبقى من النقد القديم من دون اضطرابات كبيرة.
أما إذا استمرت القرارات في التغير تبعاً للمشكلات اليومية، فقد تتحول المهلة الطويلة من وسيلة لتسهيل الانتقال النقدي إلى مؤشر إضافي على ضعف التخطيط المؤسسي.
وفي النهاية، فإن تغيير شكل العملة لا يساوي بالضرورة إصلاحاً نقدياً، حذف صفرين من الليرة قد يبسط التعاملات الحسابية ويغير الفئات النقدية، لكنه لا يعالج بمفرده التضخم أو ضعف الثقة أو تراجع الإنتاج أو اضطراب سعر الصرف.
وحتى الآن، تكشف قصة المواعيد الثلاثة ثم إعادة تصميم مرحلة السحب أن نجاح المشروع لا يتوقف على الأوراق الجديدة التي دخلت جيوب السوريين، بل على قدرة المؤسسة التي أصدرتها على بناء سياسة نقدية مستقرة يمكن للسوق والمواطنين التنبؤ بها والثقة بقواعدها.
المصدر :الحل .

