تجري العادة البروتوكولية أن يصطحب رئيس الدولة مجموعة من الصحفيين أو الباحثين لتغطية زيارته من زاوية البلد الذي ينتمي إليه الوفد، وليس فقط من زاوية الحدث السياسي المباشر. وفي حالة زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، اكتسب اختيار الباحث الفرنسي المتخصص في الجماعات الجهادية هوغو ميشيرون أهمية خاصة، باعتباره أستاذًا مشاركًا في معهد العلوم السياسية في باريس (Sciences Po)، ومتخصصًا في الشأن السوري والحركات الجهادية.
هذا الاختيار يعكس محاولة فهم اكبر للحكومة السوربة التي مرجعيتها السابقة الحركات الجهادية ، الأمر الذي يجعل مقاربة الباحثين المتخصصين في الحركات الجهادية ذات أهمية بالنسبة لصانع القرار الغربي لفهم طبيعة التحول الذي تمر به الدولة السورية.
بعد وقت قصير جدا من الزيارة، نشر ميشيرون مقالًا في صحيفة “لو بوان” الفرنسية، بدا في ظاهره تقريرًا وصفيًا لما شاهده في دمشق، لكنه حمل في داخله رسائل سياسية واضحة للقارى الغربي وللحكومكة السورية واعتقد الى رئيس الشرع تتجاوز الوصف المباشر لزيارة سوريا.
من البداية، يقدم ميشيرون صورة عن التناقض بين رمزية الدولة التي تحاول الظهور بها الحكومة الانتقالية ، وبين استمرار حضور الخلفية العسكرية للتنظيم السابق” هيئة تحرير الشام” الذي تستشعر بالخطر مع أولى درجة السلم الطائرة . فعندما يصف موظف المراسم الذي استقبله بأنه مقاتل سابق بهيئة تحرير الشام الجهادية، فهو لا يركز على شخصه بقدر ما يستخدمه كرمز للإشارة إلى استمرار حضور العناصر القادمة من البيئة العسكرية داخل مؤسسات الدولة.
ومع ذلك، يحرص الكاتب على تخفيف الحكم المباشر، فيشير إلى أن الحوار مع ذلك المقاتل الذي يعمل اليوم مسؤول المراسم كان قصيرًا ووديًا خاصة مع استخدام المقاتل كلمة ” ولا بالاحلام ” ، لتكون هذه المعضلة فاتحة مقالته ليغوص ميشيرون بعدها في انتقاد الحكومة ليس من باب الوصف وانما من باب عرض فرنسا الذي حمله الرئيس ماكرون بنفسه و الذي لاجله كتب المقالة ،
دمشق: بين صورة الدولة القديمة ومتطلبات الدولة الجديدة
ينتقل ميشيرون بعد ذلك إلى وصف أحد رموز دمشق السياحية، فندق فورسيزن، حيث يصف مستوى الخدمات والمطعم كانه مقصف مدرسي ، وهي كناية عن عدم توفر الكوادر الفنية ، هذه الإشارة ليست مجرد ملاحظة سياحية أو بروتوكولية، بل تحمل دلالة اقتصادية أوسع: كيف يمكن لدولة تتحدث عن جذب السياحة والاستثمارات كأحد خطط الحكومية الرئيسية للنهوض بالاقتصاد إذا كانت تفتقد الخبرات البشرية والمؤسسات المهنية؟، بل كيف تتكلم عن السياحة مع وجود تفجيرات الى جانب الفنادق والتي أشار الى الداعش ليستخدم كلمة داعش مرة أخرى بنهاية مقالته .
أن الإشارة إلى استمرار المخاوف الأمنية ووجود تنظيمات متطرفة في المشهد السوري تجعل الرسالة أكثر وضوحًا: السياحة والاستثمار لا يمكن أن تنبت و تزدهرا في بيئة لا تزال ملعب للحركات الجهادية وألعابها.
الدولة والثقة: استمرار حضور هيئة تحرير الشام
من أبرز نقاط المقال حديث ميشيرون عن هيئة تحرير الشام، حيث يشير إلى أن التنظيم، رغم إعلانه حل نفسه، فإن عددًا كبيرًا من عناصره أعيد دمجهم داخل مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
لا تكمن أهمية هذه الملاحظة في عملية الدمج بحد ذاتها، فكل مرحلة انتقالية بعد الحروب تحتاج إلى إعادة دمج القوى المسلحة، وإنما في السؤال الأساسي: هل جرى تحويل هؤلاء الأفراد من منطق التنظيم العسكري إلى منطق الدولة والمؤسسات؟ وهل فعلا تم الحل فعليا ان شكلياً؟
فالخطر الذي يلمح إليه الكاتب هو انتقال ثقافة الفصيل إلى أجهزة الدولة، بدل تحول الفصيل إلى مؤسسة وطنية تخضع لقواعد الإدارة المدنية والقانون، فلم يخضع هؤلاء المقاتلين لدورة بالتدريب المدني ، بل يخاف الكاتب ان تتحول الدولة لخزان للهيئة وهذا امر خطير يمنع اي دولة غربية من الانفتاح الاقتصادي بظروف الحالية .
ويتضح هذا القلق أكثر في وصفه للإجراءات الأمنية خلال الزيارة:
“أُغلق الطريق السريع في الاتجاهين، وحلقت فوقه المروحيات والطائرات المسيّرة، وانتشرت سيارات الشرطة عند كل تقاطع، وتمركز الجنود فوق الجسور، ووقف رجال مسلحون كل مئة متر تقريبًا”، فالهشاشة الأمنية في هذه الصورة لا يقدمها ميشيرون فقط باعتبارها إجراءات حماية لرئيس دولة زائر، بل كدلالة على أن الدولة ما زالت تعمل بعقلية أمنية مرتبطة بمرحلة الحرب، خصوصًا أنه يعود للإشارة إلى أن التفجيرات عادت بمجرد تخفيف الإجراءات الأمنية في اليوم التالي.
سقوط الأسد أم استمرار الدولة القديمة؟
من النقاط اللافتة في مقال ميشيرون تأكيده أن بشار الأسد رحل، وأن كثيرًا من السوريين يشعرون بالارتياح لخروجه، وهي إشارة تحمل دلالة سياسية مهمة مفادها أن احتمال عودة النظام السابق لم يعد يشكل عاملًا واقعيًا في المعادلة السورية. ومن هنا يمكن قراءة هذا الطرح باعتباره نقدًا ضمنيًا للسردية التي تعتمدها الحكومة الانتقالية حول استمرار خطر “الفلول” لتبرير الإجراءات الأمنية المتواصلة؛ إذ يرى الكاتب أن المرحلة الجديدة تتطلب الانتقال من منطق الصراع مع الماضي إلى منطق بناء الدولة وإدارة التحولات الجديدة.
في المقابل، يلفت ميشيرون إلى غياب رموز بصرية واضحة مرتبطة بحكم هيئة تحرير الشام، وعدم وجود صور أو مظاهر مباشرة للرئيس الشرع، وهي ملاحظة تحتمل قراءات متعددة. فمن جهة، كانت الصورة في السياقات السلطوية تاريخيًا أداة لتكريس عبادة الشخصية وهيمنة الحاكم، وبالتالي فإن غيابها قد يُقرأ باعتباره محاولة للابتعاد عن هذا النموذج. ومن جهة أخرى، يبدو أن الكاتب يغفل أن الحكومة الانتقالية عملت على إنتاج هوية بصرية خاصة بها، باعتبارها جزءًا من مشروعها السياسي ورمزيتها الجديدة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل أخفقت السلطة الجديدة في تقديم هوية بصرية واضحة تعكس انتقالها من حالة الثورة إلى حالة الدولة؟ أم أن ملاحظة ميشيرون تنطلق من توقع مسبق لرؤية رموز بصرية ذات دلالات إسلامية مرتبطة بهوية هيئة تحرير الشام، أكثر من كونها قراءة لطبيعة التحول المؤسساتي الذي تحاول السلطة الجديدة إظهاره؟
واللافت أن ميشيرون، رغم تركيزه على هيئة تحرير الشام، يترك انطباعًا ضمنيًا بأن التحول السوري لم يكن مجرد انتصار لفصيل عسكري محدد، بل كان نتيجة مسار ثوري واجتماعي وسياسي أوسع. فهو يستند في عرضه إلى حوارات وشهادات مرتبطة بتجربة الثورة أكثر من ارتباطها بالبنية التنظيمية لهيئة تحرير الشام وحدها. وهذا يفتح نقاشًا أوسع حول العلاقة بين الثورة بوصفها حركة اجتماعية وسياسية، وبين القوى التي تصدرت المشهد العسكري والسياسي خلال مرحلة ما بعد سقوط النظام، ومدى قدرة هذه القوى على الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق الدولة.
الاقتصاد: أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أرقام
يعتمد ميشيرون في تناوله للجانب الاقتصادي على عنصر أساسي يتمثل في شهادات السوريين الذين التقاهم خلال زيارته، وليس فقط على انطباعاته الشخصية. فهو يشير إلى أن كثيرين يعبرون عن غضبهم من ارتفاع الأسعار، وغياب الآفاق الاقتصادية، والشعور بأن الوعود بالتحسن لم تنعكس بعد على حياتهم اليومية، بل إن بعضهم يقارن بين الوضع الحالي ومرحلة حكم بشار الأسد السابقة، رغم تأثير العقوبات الاقتصادية التي شكلت وقتها جزءًا من الواقع السوري خلال السنوات الماضية.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها لأن الكاتب لا يقدم الأزمة الاقتصادية باعتبارها رأيًا شخصيًا، وإنما باعتبارها خلاصة لقاءات ميدانية مع مواطنين سوريين. وهذا يمنحها وزنًا أكبر لدى القارئ الغربي، لأنها لا تظهر كمجرد شكوى معيشية، بل كعامل يرتبط مباشرة بشرعية السلطة الجديدة ومستوى ثقة المواطنين بها. فغياب التحسن الاقتصادي الملموس قد يدفع قطاعات من المجتمع إلى ربط تراجع أوضاعهم اليومية بالخيارات السياسية والإدارية للحكومة الانتقالية، وليس فقط بالظروف الاقتصادية الموروثة.
ومن هذه الزاوية، يوجه ميشيرون رسالة أساسية مفادها أن المشاريع الاقتصادية، وخطط إعادة الإعمار، والوعود بالانتعاش لا تكفي وحدها ما لم تتحول إلى نتائج يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالشرعية السياسية في المراحل الانتقالية لا تُقاس فقط بالشعارات أو المؤشرات الكلية، وإنما بقدرة الدولة على تحسين الظروف المعيشية وإنتاج شعور عام بأن التغيير السياسي انعكس فعليًا على حياة الناس.
في المقابل، يقدم الكاتب صورة تختلف جزئيًا عن الخطاب الرسمي الذي يركز على بعض مؤشرات التحسن الاقتصادي، مثل عودة النشاط التجاري، وزيادة حركة الاستيراد، وعودة بعض القطاعات إلى العمل. فهو لا ينظر إلى الاقتصاد من خلال الأرقام فقط، بل من خلال المشهد اليومي الذي يراه المواطن: أبنية قديمة، سيارات متهالكة، أسواق لا تزال تعاني، واستمرار مشاكل الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء. ومن خلال هذا التركيز، ينقل للقارئ الغربي انطباعًا بأن التحول السياسي لم يتحول بعد إلى تغيير اجتماعي واقتصادي ملموس.
لكن هذه القراءة تفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول حدود الاعتماد على الانطباعات الميدانية وحدها؛ فالمشهد اليومي، رغم أهميته، لا يعكس بالضرورة كل التحولات الاقتصادية الجارية. كما أن الاعتماد على التصريحات الرسمية وحدها يطرح أيضًا إشكالية أخرى، إذ إن الأرقام والمؤشرات الكلية قد لا تعكس بالضرورة واقع المواطن اليومي، ويشكك بسردية الحكومة واراقمها. فعلى سبيل المثال، تشير تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إلى ارتفاع حجم المستوردات، بما فيها استيراد سيارات مرتفعة القيمة وصلت إلى مليارات الدولارات، إضافة إلى أخبار توسع نشاط المولات والأسواق. كما أن ملف الكهرباء، الذي تقدمه الحكومة باعتباره أحد أبرز إنجازاتها، يبدو متناقضًا مع الصورة التي ينقلها ميشيرون عندما يصف البلاد بأنها ما تزال غارقة في الظلام.
ويعزز الكاتب أثر الصورة السلبية لدى القارئ من خلال الإشارة إلى مدينة دمشق التي تضم نحو أربعة ملايين نسمة، مع استمرار مظاهر الأزمة والخدمات غير المستقرة. فهذه الإشارة لا تقدم مشكلة الكهرباء باعتبارها مجرد خلل في قطاع خدمي، بل تجعلها رمزًا أوسع لقدرة الدولة الجديدة على تحويل التحول السياسي إلى واقع اقتصادي واجتماعي ملموس.
وبالتالي، ميشيرون يضع الاقتصاد في قلب اختبار الشرعية السياسية. فحتى لو وجدت مؤشرات تحسن في بعض القطاعات، فإن قيمتها السياسية تبقى محدودة إذا لم يشعر المواطن بتغيير واضح في مستوى معيشته وفي تفاصيل حياته اليومية. ومن هنا يصبح التحدي الأساسي أمام أي سلطة انتقالية ليس فقط تحقيق نمو اقتصادي على الورق، بل تحويل هذا النمو إلى إحساس اجتماعي عام بأن مرحلة جديدة بدأت بالفعل.
التغير الاجتماعي: مخاوف من السلفنة الهادئة
لا يتوقف تحليل ميشيرون عند حدود المؤشرات الاقتصادية وأرقام الأسواق، بل ينفذ عميقًا إلى البنية الاجتماعية محاولًا رصد الأثر المباشر للتحولات المجتمعية على رسم المسار السياسي المستقبلي؛ حيث يسلط الضوء على ما يُطلق عليه مصطلح “السلفنة الهادئة للمجتمع” ومن خلال هذا التعبير المكثّف، ينقل الكاتب حالة من التوجس والمخاوف الضمنية التي بدأت تتسلل إلى بعض الأوساط الغربية ، ومشكك بالتفاؤل و الدعم المرحلي للسلطة الجديدة من بعض الساسة الغربيين ، كالمواقف الصادرة عن حملتي “ترامب” و”باراك” في مقاربتهما المرنة تجاه الرئيس الشرع. وتتمثل هذه المخاوف في خشية انتقال نموذج اجتماعي محافظ وشديد التشدد من الهامش إلى قلب المجال العام، وفرضه كواقع ديموغرافي وسلوكي جديد.
وتستحضر هذه المقارنة التحليلية مباشرةً بالعقل الغربي التجربة الإيرانية عقب ثورة عام 1979 ، إذ شكّلت مسألة فرض أنماط اجتماعية ودينية محددة وفي مقدمتها النقاب والحجاب والقيود الصارمة المفروضة على الحريات العامة والتعبير في الفضاء المفتوح ، إحدى أبرز المعضلات البنيوية التي عطلت وأربكت تعاطي الغرب السياسي مع طهران لعقود طويلة. إنها تعكس إشكالية أوسع وأعمق ترتبط بنمط انتقال الحركات ذات الخلفية الأيديولوجية أو الفصائل المسلحة من “مرحلة المعارضة والقتال” إلى “موقع السلطة والحكم”؛ حيث اختزال الدولة في “هوية عقائدية ضيقة” بدل بناء “دولة المواطنة الشاملة” التي تستوعب كافّة المكونات المجتمعية والطوائف بشتى انتماءاتها وتعددية أفكارها.
وفي هذا السياق، لا يكتفي ميشيرون بعرض وجود النقاب بالعاصمة، لكي لا تتم محاججته انهم سوريين وانهم من الريف الفقير والمحافظ ،بل عمد الى نقل النقاش إلى مستوىً أكثر حساسية وإثارة للجدل، عبر تسليط الضوء على تواجدهم بالأحياء ذات رمزية مسيحية وتاريخية عريقة في قلب دمشق، من قبيل “باب توما” و”باب شرقي” ، والتغير لا يقف عند الحدود السطحية للاختلاط السكاني أو التواجد اللافت للمظاهر الدينية والنساء المنقبات في تلك الأحياء فحسب، بل يتجاوز ذلك ليطال تحولات سلوكية ومعيارية فرضت نفسها على الحياة اليومية لساكنيها وأصحاب الأعمال فيها, ويتجلى ذلك في إقدام العديد من المطاعم والحانات على تعديل قوائمها عبر إزالة المشروبات الكحولية أو الحد من إظهارها للعين العامة تجنبًا للصدام. هذا التحول الصامت يدفعه إلى طرح سؤال استراتيجي أوسع نطاقًا حول: طبيعة العقد الاجتماعي الجديد المزمع تشكيله في سوريا، وحدود التماس المعقدة بين فرض الهوية الدينية للمجموعة الحاكمة وبين صيانة الحريات الفردية وحقوق الأقليات.
ومن خلال هذا المسار التحليلي المركّب، يوحي ميشيرون بأن النموذج السلفي المتشدد —الذي طالما أُطِّر وحُصِر خلال سنوات الثورة في نطاق جغرافي محدد بـ “تجربة إدلب” وتحت سيطرة هئية تحرير الشام ، تسعى اليوم إلى الخروج هذه الظاهرة لتشمل فضاء امكاني أوسع وهو سوريا ككل.
الطبقة الاقتصادية والإدارة الجديدة
لكل سلطة سياسية بطانة اقتصادية وهيكل إداري يمثل عصب وجودها، ومن هذا المنطق يبدأ “ميشيرون” في رسم ملامح هذه النخبة في سوريا، معتمدًا قسوة في الوصف وشططًا تحليليًا يبتعد عن الرصد الأكاديمي المحايد. يتجلى ذلك في تعاطيه مع وزارة الخارجية السورية التي تمثل بوابة التعامل الخارجي ، إذ ينال من “قتيبة قاديش” مسؤول التعاون الدولي بالوزارة، بوصفه أقرب إلى “مسؤول مراسم أي مقاتل سابق قادم من هيئة تحرير الشام، ومُشيرًا بتشكيك إلى جهل بالجهة التي يتبع لها هذا المكتب. وهي سقطة تحليلية تُناقض ادعاءه بدقة المتابعة، إذ يتجاهل الجهود التنسيقية والميدانية الثنائية التي سبقت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتواصل المباشر مع مكتب التعاون الدولي في باريس.
بل تشعر بكلماته كانه يستدعي النموذج الإيراني و”عصرنة” الهيكل السلفي لرفع منسوب الخوف لدى المخيلة الغربية عبر الإيحاء بأن البلاد تمضي قسرًا على خطى النموذج الإيراني ، ليس فقط من خلال النفوذ الإداري، بل عبر نقل الثقافة التنظيمية والدينية الخاصة بالهيئة إلى المؤسسات المدنية، واستمرار تداول ألقاب مثل “الشيخ” في أروقة الدولة. وهو بذلك يحاول التأكيد على فرضية تحول سوريا إلى “إمارة جهادية” مغلفة بإدارة مدنية بالمسار الذي تسلكه حالياً، مُشككًا في قدرة السلطة الجديدة على إنتاج كادر إداري حديث يعتمد الكفاءة بدلاً من إعادة إنتاج البنية التنظيمية الفصائلية.
ولا يكتفي ميشيرون بتضخيم تمدد الهيئة، بل يذهب لأبعد من ذلك حين يزعم أن مسؤولي نظام الأسد الساقط لا تزال معششة داخل الحكومة الانتقالية، معتبرًا ضمناً أن رفع العقوبات والتعاطي مع الانتهاكات جاء مبكرًا ومتسرعًا. وفي الوقت الذي يُبرر فيه هذا الاستبقياء بالحاجة للخبرة الإدارية، كان بإمكانه ،لو توخى الإنصاف ، الحديث عن هؤلاء الموظفين الذين تم الاستعانة بهم لضمان استمرار المرافق العامة، بدلاً من وصمهم بمسؤولي النظام المتورطين في الانتهاكات، وكانه تحذير ان هؤلاء قد يشكلوا سبب إضافي في تردد التعامل مع الحكومة السورية مستقبلا.
ماذا يريد ميشيرون؟
رغم كثافة الانتقادات التي يوجهها ميشيرون، لا يبدو أن هدف مقاله هو الدعوة إلى عزل الحكومة السورية الجديدة أو تقديم تقييم حقوقي أو إنساني لأدائها، بل على العكس، يمكن قراءته باعتباره محاولة لتبرير انخراط فرنسي أوسع في سوريا، ولكن ضمن شروط محددة.
وفي هذا الإطار، تبدو مقالة ميشيرون استكمالًا للرسائل التي حملتها زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وتذكيرًا للحكومة السورية بالعرض الفرنسي الرامي إلى المساهمة في منع الانهيار الاقتصادي، مقابل تبني مسار إصلاحي يضمن الاستقرار ويشجع الاستثمار . كما يذكّر الكاتب بأن حماسة رجال الأعمال الفرنسيين تجاه سوريا لا تنطلق من اعتبارات عاطفية أو إنسانية، وإنما من إدراكهم أن سوريا، بما تمتلكه من موقع جغرافي واستراتيجي، تمثل فرصة اقتصادية وجيوسياسية يصعب تجاهلها، وأن هذه الأهمية وحدها كافية لجذب الاهتمام الفرنسي والاستفادة من إمكاناتها
والعرض الفرنسي يقوم على عدة نقاط:
أولًا: إعادة بناء مؤسسات الدولة: ركز ميشيرون على ضرورة الانتقال من منطق التنظيم والفصيل إلى منطق الدولة، أي تجاوز البنية القائمة على الولاءات والدوائر المغلقة، والعمل على بناء مؤسسات مدنية قادرة على إدارة بلد كبير ومعقد مثل سوريا.
ويعني ذلك عمليًا:
- توسيع قاعدة الحكم لتشمل مختلف المكونات السورية، بما يعزز شرعية الدولة ويمنع احتكار السلطة من قبل طرف واحد.
- إدخال الكفاءات والخبرات المدنية والإدارية، إلى جانب تطوير برامج تدريب وتأهيل للعاملين في مؤسسات الدولة.
- تقليص الاعتماد على الحلقة العسكرية أو التنظيمية السابقة في إدارة المؤسسات المدنية، والفصل بين منطق العمل الفصائلي ومتطلبات الإدارة الحكومية.
- استعادة ثقة المواطنين من خلال بناء جهاز مؤسساتي يقوم على الوضوح، وسيادة القانون، والشفافية، بدلًا من العلاقات الشخصية أو الولاءات السياسية.
ثانيًا: إعادة بناء الجيش: يربط ميشيرون مستقبل الاستقرار بإعادة تشكيل المؤسسة العسكرية على أسس مركزية وطنية، بعيدًا عن الفصائلية، مع استمرار محاربة تنظيم داعش.
ومن اللافت أنه لا يركز في هذا السياق على مواجهة إيران أو روسيا، لأن سياق الزيارة الفرنسية يرتبط أساسًا بإعادة ترتيب الدولة السورية الجديدة ومحاولة ثني الحكومة الانتقالية عن فتح صراعات إقليمية جديدة وخاصة التدخل في لبنان .
الاقتصاد من منظور يشيرون
في الجانب الاقتصادي، يضع ميشيرون حجم التحديات التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، مشيرًا إلى أن ضعف الخبرات داخل الحكومة الانتقالية، واستمرار التعامل بمنطق أمني داخل مؤسسات الدولة، إضافة إلى غياب الرؤى الاقتصادية الواضحة وتعثر بعض المشاريع، تمثل عوائق أساسية أمام إدارة المرحلة المقبلة.
ويتركز حجم التحدي في عدد من الملفات الرئيسية:
- إدارة عودة نحو 15 مليون نازح ولاجئ، وما يترتب على ذلك من ضغوط كبيرة على البنية التحتية، والخدمات العامة، وسوق العمل.
- تمويل عملية إعادة الإعمار التي قد تصل تكلفتها إلى نحو 200 مليار دولار، أي ما يعادل قرابة عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الحالي لسوريا، الأمر الذي يجعل جذب الاستثمارات والتمويل الخارجي شرطًا أساسيًا للنهوض الاقتصادي.
- إعادة بناء قطاع مصرفي ومالي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي وجذب الاستثمارات، في ظل ضعف النظام المصرفي الحالي.
- التعامل مع آثار العقوبات الغربية، وهي نقطة تثير تساؤلًا في قراءة المقال، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من هذه العقوبات شهد خلال الفترة الأخيرة تخفيفًا أو رفعًا، ما يطرح تساؤلًا حول سبب استمرار الإشارة إليها باعتبارها عائقًا رئيسيًا أمام المرحلة المقبلة.
كما يشير ميشيرون إلى بطء وصول الوعود المالية الخليجية، وإلى تحفظ بعض الدول تجاه توجهات الحكومة الجديدة وعلاقاتها الإقليمية، ما يجعل مسار الانفتاح الاقتصادي مرتبطًا بقدرة دمشق على تقديم ضمانات سياسية ومؤسساتية تطمئن الشركاء الدوليين.
ومن هنا تظهر مساحة الدور الفرنسي الذي يروّج له الكاتب ، إذ لا يقتصر على تقديم الدعم الاقتصادي، بل يشمل نقل الخبرات، والمساعدة في بناء المؤسسات عبر الحوكمة ، وربط الانفتاح الاقتصادي والدولي بمسار بناء دولة مدنية قادرة على الاندماج في النظام الدولي وجذب الاستثمارات.
يمكن قراءة مقال هوغو ميشيرون باعتباره رسالة سياسية مزدوجة:
إلى الغرب: لا ينبغي ترك سوريا بعد سقوط الأسد، لأن الفراغ قد يعيد إنتاج التطرف.
وإلى دمشق: الاعتراف الدولي ممكن، لكن الطريق يمر عبر تحويل الانتصار العسكري إلى دولة مؤسسات.
فميشيرون لا يقول إن سوريا الجديدة فشلت، لكنه يقول إن نجاحها ليس مضمونًا. فالمرحلة القادمة لن تحددها فقط قدرة الشرع على إدارة السلطة، بل قدرته على الانتقال من قيادة حركة مسلحة إلى بناء دولة وطنية وكانها رسالى الى الرئيس الشرع عبر فكرة مركزية: ما يحدث في دمشق اليوم لن يحدد مستقبل سوريا فقط، بل سيكون له تأثير على مستقبل الشرق الأوسط بأكمله.

